أبو الليث السمرقندي

567

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 192 إلى 199 ] وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 ) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ( 196 ) أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 197 ) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ( 198 ) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ( 199 ) قوله عز وجل : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني : القرآن ، ويقال : إنه إشارة إلى ما ذكر في أول السورة تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ، وأنه يعني : الكتاب لتنزيل رب العالمين نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر نزل بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف . فمن قرأ بالتشديد ، فمعناه : نزّل اللّه تعالى بالقرآن الروح الأمين ، يعني : جبريل عليه السلام ، نصب الروح لوقوع الفعل عليه ، يعني : أنزل اللّه تعالى جبريل بالقرآن . ومن قرأ بالتخفيف ، فمعناه : نزل جبريل عليه السلام بالقرآن ، فجعل الروح رفعا لأنه فاعل . ثم قال : عَلى قَلْبِكَ أي نزله عليك ليثبّت به قلبك ، ويقال : أي لكي يحفظ به قلبك . ويقال : عَلى قَلْبِكَ أي نزل على قدر فهمك وحفظك . ويقال : أي نزله عليك فوعاه قلبك ، وثبت فيه ، فلا تنساه أبدا كما قال : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [ الأعلى : 6 ] ويقال : عَلى قَلْبِكَ يعني : على موافقة قلبك ومرادك لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ يعني : من المخوّفين بالقرآن للكفار من النار . ثم قال عز وجل : بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ يعني : يبيّن لهم بلغتهم . ويقال : بلغة قريش وهوازن ، وكان لسانهما أفصح . قال مقاتل : وذلك أنهم كانوا يقولون : إنه يعلمه أبو فكيهة ، وكان أعجميا روميا ، فأخبر أن القرآن بلغة قريش وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ يعني : أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ونعته وصفته في كتب الأولين ، كما قال : يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [ الأعراف : 157 ] والزبر : الكتب ، واحدها زبور ، مثل رسل ورسول ، ويقال : إنه يعني : القرآن لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ يعني : بعضه كان في كتب الأولين ، ويقال : نعت القرآن ، وخبره كان في كتب الأولين . ثم قال عز وجل : أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً قرأ ابن عامر وحده تكن وآية بالضم ، وقرأ الباقون بالياء بلفظ التذكير آيَةً بالنصب . فمن قرأ بلفظ التذكير والنصب جعل أَنْ يَعْلَمَهُ اسم كان ، وجعل آيَةً خبر كان ، والمعنى : أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل على جهة المعنى . ومن قرأ بلفظ التأنيث والضم ، جعل آية هي الاسم ، و أَنْ يَعْلَمَهُ خبر تكن ، ومعنى القراءتين واحد ، وذلك أن كفار مكة بعثوا رسولا إلى يهود المدينة ، وسألوهم عن بعثته فقالوا : هذا زمان خروجه ونعته كذا ، فنزل : أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً يعني : لكفار مكة آيَةً يعني : علامة أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني : إن هذا علامة لهم ليؤمنوا به . ثم قال : وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ يعني : القرآن لو نزلناه بالعبرانية على رجل ليس بعربي اللسان من العبرانيين فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ يعني : على كفار مكة ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ