أبو الليث السمرقندي

555

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 52 إلى 62 ] وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 52 ) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 53 ) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ( 54 ) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ ( 55 ) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ( 56 ) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 57 ) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 58 ) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ ( 59 ) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ( 60 ) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( 61 ) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 62 ) قوله عز وجل : وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي يعني : ببني إسرائيل إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ يعني : يتبعكم فرعون وقومه . ويقال : أسرى يسري إسراء ، إذا سار ليلا ، يعني : اذهب بهم بالليل فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يحشرون الناس لقتال موسى عليه السلام ليخرج في طلبه . وقال : إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ يعني : طائفة وعصبة وجماعة قليلون . وقال الزجاج : الشرذمة في كلام العرب القليل . ويروى أنهم كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ يعني : لمبغضين ويقال : إنا لغائظون يعني : لمبغضين بخلافهم لنا ، وذهابهم بحليّنا . ثم قال عز وجل : وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ أي : مودون شاكون في السلاح . قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو حذرون بغير ألف ، والباقون بالألف ، والحاذر : المستعد ، والحذر : المستيقظ . ويقال : الحاذر الذي يحذر في الفور ، والحذر الذي لا تلقاه إلا حذرا . وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ : حاذِرُونَ بالألف ، وكان يقول : « يعني ذا أداة من السلاح » . ومعناه : إنا قد أخذنا حذرنا من عدونا بسلاحنا . قال اللّه تعالى : فَأَخْرَجْناهُمْ يعني : فرعون وقومه مِنْ جَنَّاتٍ يعني : البساتين وَعُيُونٍ يعني : الأنهار الجارية وَكُنُوزٍ يعني : من الأموال الكثيرة وَمَقامٍ كَرِيمٍ يعني : المنازل الحسنة . ويقال : المنابر التي يعظّم عليها فرعون . قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وَعُيُونٍ بضم العين في جميع القرآن ، وقرأ الباقون بالكسر ، وهما لغتان ، وكلاهما جائز . وقال بعضهم : فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ كلام فرعون إنا أخرجنا بني إسرائيل من أرض مصر ، والطريق الأول أشبه كما قال في موضع آخر : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [ الدخان : 25 ] الآية . ثم قال : كَذلِكَ يعني : هكذا أفعل بمن عصاني . ثم استأنف فقال عز وجل : وَأَوْرَثْناها ويقال : كذلك أورثناها يعني : هكذا أنزلنا فيها ، يعني : في مساكن فرعون بَنِي إِسْرائِيلَ بعد ما غرق فرعون ، ثم قال : فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ يعني : عند طلوع الشمس . قوله عز وجل : فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ يعني : تقاربا ورأى بعضهم بعضا ، وذلك أن فرعون أرسل في المدائن حاشرين ليحشروا الناس ، فركب وركب معه ألف ألف ومائتا ألف