أبو الليث السمرقندي

547

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثمّ قال عز وجل : وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً يعني : تاب من الشرك والمعاصي ، وعمل صالحا بعد التوبة ، فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً يعني : مناصحا لا يرجع . ويقال : مَتاباً له في الجنة . ويقال : مَتاباً . يعني : توبة . يعني : يتوب توبة مخلصة . ثم قال : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ يعني : لا يحضرون مجالس الكذب والفحش والكفر وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ يعني : مجالس اللهو والباطل مَرُّوا كِراماً يعني : حلماء معرضين عنها . وقال القتبي : مَرُّوا كِراماً لم يخوضوا فيه ، وأكرموا أنفسهم . ثم قال عز وجل : وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ يعني : وعظوا بالقرآن لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها يعني : لم يقعوا عليها صُمًّا يعني : لا يسمعون وَعُمْياناً ولا يبصرون ، ولكنهم سمعوا وانتفعوا به ، وهذا قول مقاتل . وقال القتبي : لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها أي : لم يتغافلوا عنها ، فكأنهم صم لم يسمعوها ، عمي لم يروها . ثم قال عز وجل : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ يعني : اجعل أزواجنا وذريتنا من الصالحين ، تقر أعيننا بذلك . ويقال : وفّقهم للطاعة ، واعصمهم من المعصية ، ليكونوا معنا في الجنة ، فتقر بهم أعيننا . قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ، وذريتنا بلفظ الوحدان . وقرأ الباقون وَذُرِّيَّاتِنا بلفظ الجماعة ، ثم قال : وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً يعني : اجعلنا أئمة في الخير يقتدي بنا المؤمنون ، كما قال : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [ الأنبياء : 73 ] أي : قادة في الخير . وروي عن عروة : أنه كان يدعو بأن يجعله اللّه ممن يحمل عنه العلم ، فاستجيب دعاؤه . وروي عن مجاهد : معناه ، « اجعلنا ممن نقتدي بمن قبلنا ، حتى يقتدي بنا من بعدنا » . ويقال : معناه اجعلنا ممن يقتدي بالمتقين ، ويقتدي بنا المتقون ، فهذا كله من خصال عباد الرحمن ، من قوله : وَعِبادُ الرَّحْمنِ إلى هاهنا . فوصف أعمالهم . ثم بيّن ثوابهم فقال عز وجل : أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ يعني : غرف الجنة كقوله : غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ [ الزمر : 20 ] بِما صَبَرُوا يعني : صبروا على أمر اللّه تعالى في الدنيا ، وعلى الطاعة وَيُلَقَّوْنَ فِيها يعني : في الجنة تَحِيَّةً يعني : التسليم وَسَلاماً يعني : سلام