أبو الليث السمرقندي

537

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ويقال : وَكَفى بِرَبِّكَ حافظا على الدين وَنَصِيراً ، أي مانعا . ويقال : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا يعني : فرعونا ، كما جعلنا أبا جهل فرعونك ، ويقال : سلطنا على كل نبي متكبرا ليتكبر عليه ويكذبه ويؤذيه . وروي في الخبر : « لو أن مؤمنا ارتقى على ذروة جبل ، لقيّض اللّه تعالى إليه منافقا يؤذيه ، فيؤجر عليه وَكَفى بِرَبِّكَ يعني : اكتف بربك واصبر على أذاهم ، صار هادِياً وَنَصِيراً نصبا على الحال ، أي : وكفى بربك في حال الهداية والنصرة ويقال : الباء زائدة للصلة . ومعناه : كفى بربك هادِياً إلى دينه وَنَصِيراً أي مانعا . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 32 إلى 34 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً ( 32 ) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 ) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً ( 34 ) قوله عز وجل : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ يعني : هلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كما أنزلت التوراة على موسى ، والإنجيل على عيسى عليهما السلام . يقول اللّه تعالى : كَذلِكَ يعني : هكذا أي أنزلناه متفرقا لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ يعني : لنحفظ ويقوى به قلبك ونفرحك ، فلما دخل قلبه الغم نزلت عليه آية وآيتان ، فيفرح بها . ويقال : لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ يعني : ليكون قبوله على المسلمين أسهل ، لأنه لو أنزلت الأحكام والشرائع كلها جملة واحدة ، شق على المسلمين قبولها ، كما شق على بني إسرائيل . ويقال : أنزلناه هكذا لنرسخ القرآن في قلبك ، لكي تحفظ الآية والآيتين . ويقال : كَذلِكَ أنزلناه لتحكم عند كل حادثة ، وعند كل واقعة ، لتقوي به قلبك في ذلك . ثمّ قال : وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا يعني : بيناه تبيينا . ويقال : شيء رتل ورتيل إذا كان مبينا . وقال مجاهد : وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا أي : بعضه على أثر بعض . وروى عكرمة عن ابن عباس قال : « أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ، ثم أنزل بعد ذلك جبريل عليه السلام به في عشرين سنة » ، وهو قوله تعالى : كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [ الإسراء : 106 ] . ثمّ قال عز وجل : وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ يعني : لا يخاصمونك بمثل ، مثل قوله : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] ثم قال : إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ يعني : أنزلنا عليك جبريل عليه السلام بالقرآن فتخاصمهم به وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً يعني : وأحسن بيانا لترد به خصومهم . ويقال : معناه ولا يأتونك بحجة ، إلا بينا لك في القرآن ما فيه نقض لحجتهم ، وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً أي جوابا لهم ويقال : ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بما هو أحسن من مثلهم . ويقال : كل