أبو الليث السمرقندي
526
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ يعني : أمره ونهيه في أمر الطعام والشراب لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي لكي تعقلوا وتفهموا وتعملوا به . [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 62 إلى 64 ] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 62 ) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 63 ) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 64 ) قوله عز وجل : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ يعني : المصدقين الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ يعني : مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على أمر جمعهم لتدبير في أمر جهاد ، أو في أمر من أمور اللّه تعالى فيه طاعة لَمْ يَذْهَبُوا يعني : لم يفارقوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ . وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يجمعهم يوم الجمعة فيستشيرهم في أمر الغزو ، فكان يثقل على بعضهم المقام ، فيخرجون بغير إذنه . وقال بعضهم : نزلت في يوم الخندق ، وكان بعض الناس يرجعون إلى منازلهم بغير إذن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتركوه وأصحابه ، فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك ، وأمرهم بأن لا يرجعوا إلا بإذنه عليه السلام ، وكذلك إذا خرجوا إلى الغزو لا ينبغي لأحد أن يرجع بغير إذنه . وفي الآية بيان حفظ الأدب ، بأن الإمام إذا جمع الناس لتدبير أمر من أمور المسلمين ينبغي أن لا يرجعوا إلا بإذنه ، وكذلك إذا خرجوا إلى الغزو ، لا ينبغي لأحد أن يرجع إلا بإذنه ، ولا يخالف أمر السرية . وروي عن مكحول أنه سئل عن هذه الآية وعنده عطاء ، قال : « هذا في الجمعة ، وفي الزحف ، وفي كل أمر جامع » . ثم قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وليسوا بمنافقين . وكان المؤمنون بعد نزول هذه الآية لم يرجعوا حتى يستأذنوا ، وأما المنافقون فيرجعون بغير إذنه . ثم قال : فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ يعني : لبعض أمورهم وحوائجهم فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ولا تأذن لمن شئت ، لأن بعض المنافقين لم يكن لهم في الرجوع حاجة ، فإن أرادوا أن يرجعوا فلا تأذن لهم ، واذن للمؤمنين . وقال مقاتل : نزلت في شأن عثمان حين استأذن في غزوة تبوك بالرجوع إلى أهله ، فأذن له . ثمّ قال : وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ أي فيما استأذنوك من الرجوع بغير حاجة لهم . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ به .