أبو الليث السمرقندي

516

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

القيامة ، عند عمله . وهذا كما قال إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [ الفجر : 14 ] ، يعني : مصير الخلائق إليه فَوَفَّاهُ حِسابَهُ ، يعني : يوفيه ثواب عمله وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ، فكأنه حاسب ، ويقال : سريع الحفظ ، ويقال : إذا حاسب فحسابه سريع ، فيحاسبهم جميعا ، فيظن كل واحد منهم أنه يحاسبه خاصة ، فلا يشغله حساب أحدهم عن الآخر ، لأنه لا يحتاج إلى أخذ الحساب ، ولا يجري فيه الغلط ، ولا يلتبس عليه ، ويحفظ على كل صاحب حساب حسابه ليذكره ، فهذا المثل لأعمال الكفار ، والتي في ظاهرها طاعة ، فأخبر أنه لا ثواب لهم بها . ثم ضرب مثلا آخر للكافر ، فقال عز وجل : أَوْ كَظُلُماتٍ قال بعضهم : الألف زيادة ، ومعناه : وكظلمات ، يعني : ومثلهم أيضا كظلمات . ويقال : أَوْ للتخيير ، يعني : إن شئت فاضرب لهم المثل بالسراب ، وإن شئت بالظلمات ، فقال : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يعني : مثل الكفار كمثل من في الظلمات . فشبّه قلب المؤمن بالقنديل ، وشبّه قلب الكافر بالظلمات ، يعني : كمثل رجل يكون في بحر عميق في ليل كثير الماء يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ يعني : يكون في ظلمة البحر ، وظلمة الليل ، وظلمة السحاب ، فكذلك الكافر في ظلمة الكفر ، وظلمة الجهل ، وظلمة الجور والظلم . ويقال : يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ يعني : المعاصي ، ومن فوقه العداوة والحسد والبغضاء ، و مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ يعني : الخذلان من اللّه تعالى . ثم قال : ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ كما قال للمؤمن : نُورٌ عَلى نُورٍ فيكون للكافر ظلمة على ظلمة ، قوله ظلمة ، وعمله ظلمة ، واعتقاده ظلمة ، وقال أبو العالية : يتقلّب في خمس من الظّلم : كلامه ظلمة ، وعلمه ظلمة ، ومدخله ظلمة ، ومخرجه ظلمة ، ومصيره إلى الظلمة ، وهو النار . ويقال : شبه قلب الكافر بالبحر العميق ، وشبه أعضاءه بالأمواج الثلاث ، طبع اللّه على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ، فهذه الظلمات الثلاث تمنعه عن الحق . ثم قال : إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها يعني من شدة الظلمة ، فإذا أبرز يده لم يكد يراها من شدة الظلمة ، يعني : لم يكن شيء أقرب إليه من نفسه فلم ير نفسه ، فكذلك الكافر لم ينظر إلى القبر ولم يتفكر في أمر نفسه أيضا ، كقوله عز وجل : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] . ثم قال : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ يعني : من لم يكرمه اللّه بالهدى فما له من مكرم بالمعرفة . قرأ ابن كثير ظُلُماتٌ بكسر التاء والتنوين ، فكأنه يجعله بمنزلة قوله كَظُلُماتٍ . وقرأ الباقون بالضم على معنى الابتداء . وقرئ في الشاذ : سحاب ظلمات ، على معنى الإضافة .