أبو الليث السمرقندي
480
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
بعد الموت ، وَأَتْرَفْناهُمْ ؛ يعني : أنعمنا عليهم ، ويقال : وسعنا عليهم حتى أترفوا . فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا ، يعني قالوا : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ ، يعني : آدميا مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ ، يعني : كما تأكلون منه ، وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ يعني : كما تشربون . وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً ، يعني : آدميا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ، أي لمغبونون أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً ، أي صرتم ترابا وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ، يعني : محيون . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 36 إلى 43 ] هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ ( 36 ) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 37 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ( 38 ) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ ( 39 ) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ( 40 ) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 41 ) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ ( 42 ) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ( 43 ) قوله عز وجل : هَيْهاتَ هَيْهاتَ قرأ أبو جعفر المدني هَيْهاتَ هَيْهاتَ كلاهما بكسر التاء . قال أبو عبيد : قراءتها بالنصب ، لأنه أظهر اللغتين وأفشاهما ، وقال بعضهم : قد قرئ هذا الحرف بسبع قراءات : بالكسر ، والنصب ، والرفع ، والتنوين ، وغير التنوين ، والسكون . وهذه كلمة يعبر بها عن البعد ، يعني : بعيدا بعيدا ، ومعناه أنهم قالوا : هذا لا يكون أبدا ، يعني : البعث . لِما تُوعَدُونَ ، يعني : بعيدا بعيدا لما توعدون . إِنْ هِيَ ، يعني : ما هي إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا ، يعني : نحيا ونموت على وجه التقديم ، ويقال : معناه يموت الآباء وتعيش الأبناء . وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ، يعني : لا نبعث بعد الموت . إِنْ هُوَ ، يعني : ما هو إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ، يعني : بمصدقين . فلما كذبوه دعا عليهم ، قالَ رَبِّ انْصُرْنِي ، يعني : قال هود : أعني عليهم بالعذاب بِما كَذَّبُونِ . قالَ اللّه تعالى : عَمَّا قَلِيلٍ ، يعني : عن قريب . وما صلة ، كقوله فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [ آل عمران : 159 ] . لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ، يعني : ليصيرنّ نادمين ، فأخبر اللّه تعالى عن معاملة الذين كانوا من قبل مع أنبيائهم وسوء جزائهم وأذاهم لأنبيائهم ، ليصبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على أذى قومه . ثم أخبر عن عاقبة أمرهم ، فقال تعالى : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ يعني : العذاب وهو الريح العقيم ، ويقال : وهي صيحة جبريل عليه السلام فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً ، يعني : يابسا ، ويقال : هلكى كالغثاء ، وهو جمع غثاء ، وهو ما على السيل من الزبد ، لأنه يذهب ويتفرق . وقال الزجاج : الغثاء البالي من ورق الشجر ، أي جعلناه يبسا كيابس الغثاء . ويقال : الغثاء النبات