أبو الليث السمرقندي

475

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

، يعني : في الجنة دائمون . وقال القتبي : حدثني أبو حاتم السجستاني قال : كنت عند الأخفش وعنده الثوري ، فقال : يا أبا حاتم ، ما صنعت بكتاب المذكر والمؤنث ؟ قلت : قد عملت فيه شيئا . فقال : ما تقول في الفردوس ؟ قلت : مذكر . قال : فإن اللّه يقول : هُمْ فِيها خالِدُونَ . قلت : أراد الجنة ، فأنّث . فقال : يا غافل ، أما تسمع الناس يقولون أسألك الفردوس الأعلى ؟ فقلت : يا نائم ، إنما الأعلى هاهنا أفعل وليس بفعلى . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 12 إلى 14 ] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ، يعني : آدم عليه السلام . قال الكلبي ومقاتل : السلالة إذا عصر الطين ، انسلّ الطين والماء بين أصابعه . وقال الكلبي : خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني : ابن آدم من نطفة ، سلّت تلك النطفة من طين ، والطين آدم عليه السلام ، والنطفة ما يخرج من صلبه فيقع في رحم المرأة . وقال الزجاج : سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ، أي من آدم ، والسلالة القليل من أن ينسلّ ، وكل مبني على فعالة فهو يراد به القليل ، مثل النخالة ، والعلامة والفصالة ثُمَّ جَعَلْناهُ : يعني ذرية آدم . قال القتبي : يقال للولد سلالة والنطفة سلالة ، وإنما سمّيت النطفة سلالة لأنها تنسلّ بين الصلب والترائب ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ، يعني : في مكان حريز حصين . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، أي : حولنا الماء دما ، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، أي حولنا الدم مضغة ، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً أي : خلقنا في المضغة عظاما فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ . قال عكرمة وأبو العالية والشعبي : معناه نفخ فيه الروح . وروى الأخفش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : « إنّ خلق أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين ليلة ، ثمّ يكون علقة مثل ذلك ، ثمّ يكون مضغة مثل ذلك ، ثمّ يبعث اللّه عز وجل ملكا ، فيأمر بأن يكتب أجله وعمله ورزقه وشقيّ أو سعيد ، فهي أربع كلمات . ثمّ ينفخ فيه الرّوح » . وروي ، عن عطاء ، عن ابن عباس في قوله : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال : « نفخ فيه الروح » ، وروى ابن نجيح ، عن مجاهد : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال : « حين استوى شابا » ؛ وروى معمر ، عن قتادة : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ، قال : « هو نبات الشعر والأسنان » ، وقال بعضهم : هو نفخ الروح ، ويقال : ذكرا أو أنثى ، ويقال : معناه ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ، يعني : الجلد . وروي عن عطاء ، عن ابن عباس أنه قال : « ينفخ فيه الروح » ، وروي عن عبد اللّه بن مسعود أنه كان يقرأ : « ثم أنشأته خلقا آخر » .