أبو الليث السمرقندي

467

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

عَقِيمٍ يوم القيامة يوم ليس له ليلة ولا بعده يوم . والعقيم أصله في اللغة : المرأة التي لا تلد ، وكذلك رجل عقيم ، إذا كان لا يولد له ، وكذلك كل شيء لا يكون فيه خير ، يعني : لا يكون للكافرين خير في يوم القيامة ، كما قال اللّه تعالى : عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [ المدثر : 10 ] . ثمّ وصف ذلك اليوم ، فقال عز وجل : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ لا ينازع فيه أحد يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ، يعني : يقضي بين الخلق لا حاكم في ذلك اليوم غيره . ثم قال : فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، يعني : أن حكمه في يوم القيامة أن المؤمنين فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 57 إلى 59 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 57 ) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 58 ) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ( 59 ) قوله عز وجل : الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ، يعني : الشدة . ثم قال عز وجل : وَالَّذِينَ هاجَرُوا ، وذلك أن المسلمين قاتلوا فاستشهدوا ، فقال الذين لم يستشهدوا : وهل لنا أجر ؟ فنزل : وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، يعني : في طاعة اللّه من مكة إلى المدينة . ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً ، يعني : يرزقهم الغنيمة في الدنيا لمن لم يموتوا ولم يقتلوا . وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ، يعني : أفضل الرازقين وأقوى المعطين . لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ، يعني : الجنة إذا قتلوا وماتوا . وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ، حيث لم يعجل بالعقوبة ، وهذه الآية مدنية . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 60 إلى 62 ] ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ( 60 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 61 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 62 ) قوله عز وجل : ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ ؛ قال مقاتل : وذلك أن مشركي العرب لقوا المسلمين في الشهر الحرام ، فكره المسلمون القتال ، فقاتلهم المشركون فبغوا عليهم ، فنصر اللّه المسلمين عليهم ، فوقع في أنفس المؤمنين من القتال في الشهر الحرام ، فنزل : ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ يقول : هذا جزاء من عاقب بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ وقال بعضهم : ذلِكَ يعني : ما وصفنا من صفة أهل الجنة وأهل النار ، فهو كذلك ، فقد تم الكلام . وَمَنْ عاقَبَ ابتداء الكلام بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ في الدنيا . وقال الكلبي : الرجل يقتل له الحميم ، فله أن يقتل به قاتله . ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ على من بغى عليه . ويقال : إذا زاد على القتل لينصرنه اللّه ، ويقال : إن الرجل إذا وجب له القصاص ، فله أن يقتل أو يأخذ الدية . فإن أخذ أكثر من حقه