أبو الليث السمرقندي

465

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

وقال آخر : تمنّى داود الزّبور على الرّسل أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في تلاوته فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ، يعني : يذهب اللّه به ويبطله . ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ ، يعني : بيّن اللّه عز وجل الناسخ من المنسوخ . قال ابن عباس في رواية أبي صالح : « أتاه الشيطان في صورة جبريل ، وهو يقرأ سورة وَالنَّجْمِ إِذا هَوى [ النجم 1 ] عند الكعبة ، حتى انتهى إلى قوله : أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [ النجم : 19 ، 20 ] ، ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ، فلما سمعه المشركون يقرأ ذلك ، أعجبهم : فلما انتهى إلى آخرها ، سجد وسجد المسلمون والمشركون معه ، فلما فأتاه جبريل عليه السلام فقال : ما جئتك بهذا . فنزل : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ الآية « 1 » . وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس نحو هذا . قال : حدّثنا الخليل بن أحمد قال : حدّثنا إبراهيم بن محمد قال : حدّثنا جعفر بن زيد الطيالسي قال : حدّثنا إبراهيم بن محمد قال : حدّثنا أبو عاصم ، عن عمار بن الأسود ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : « قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ثم قال : تلك الغرانيق العلى ، وإن الشفاعة منها ترتجى ، فقال المشركون : قد ذكر آلهتنا في أحسن الذكر فنزلت الآية » . وقال مقاتل : قرأ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والنجم بمكة عند مقام إبراهيم ، فنعس ، فقرأ تلك الغرانيق العلى . فلما فرغ من السورة ، سجد وسجد من خلفه فنزل وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ وقال قتادة : لما ألقى الشيطان ما ألقى ، قال المشركون : قد ذكر اللّه آلهتنا بخير ففرحوا بذلك ؛ فذلك قوله : لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ . روى أسباط ، عن السدي ، قال : خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المسجد فقرأ سورة النجم ، فلما انتهى إلى قوله : وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [ النجم : 20 ] فألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى ، حتى بلغ إلى آخر السورة ، سجد وسجد أصحابه وسجد المشركون لذكره آلهتهم . فلما رفع رأسه ، حملوه وأسندوا به بين قطري مكة ، حتى إذا جاءه جبريل عليه السلام عرض عليه ، فقرأ عليه الحرفين ، فقال جبريل عليه السلام : معاذ اللّه أن أكون أقرأتك هذا ، واشتد عليه ، فأنزل اللّه تعالى لتطييب نفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأخبره أن الأنبياء عليهم السلام قبله قد كانوا مثله .

--> ( 1 ) عزاه السيوطي : 6 / 65 إلى عبد بن حميد من طريق السدي عن أبي صالح . والبزار والطبراني وابن مردويه بسند رجاله ثقات من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس . وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح عن سعيد بن جبير . وابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح .