أبو الليث السمرقندي
439
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
يخرج وقال : إن في بني إسرائيل أنبياء أقوياء غيري ، فعزم عليه الملك ليخرج فخرج وهو كاره ، فغضب على الملك . فوجد قوما قد شحنوا سفينتهم ، فقال لهم : أتحملونني معكم ؟ فعرفوه فحملوه . فلما شحنت السفينة بهم وأسرعت في البحر ، انكفأت بهم وغرقت ، فقال ملاحوها : يا هؤلاء إن فيكم رجلا عاصيا ، لأن السفينة لا تفعل هذا من غير ريح إلا وفيكم رجل عاص ، فاقترعوا ، فخرج سهم يونس عليه السلام فقال التجار : نحن أولى بالمعصية من نبي اللّه تعالى . ثم أعادوا الثانية والثالثة ، فخرج سهم يونس ، فقال : يا هؤلاء ، أنا واللّه العاصي . قال : فتلفّف في كسائه وقام على رأس السفينة ، فرمى بنفسه في البحر فابتلعته السمكة ؛ فذلك قوله تعالى : إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ يعني : لن نقضي عليه بالعقوبة ، ويقال : إن ذنبه لم يبلغ مبلغ الذي نقدر عليه العقوبة ، ويقال : ظن أنا لن نضيّق عليه الحبس ، كقوله : فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [ الفجر : 16 ] أي ضيّق . وقرأ بعضهم : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ بالتشديد ، فهو من التقدير ، وقراءة العامة بالتخفيف . فَنادى فِي الظُّلُماتِ ، يعني : في ظلمات ثلاث : ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت : أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ ، أي ليس أحد له سجن كسجنك . سُبْحانَكَ إني تبت إليك . إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لنفسي . قال اللّه عز وجل : فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ ، يعني : غم الماء في بطن الحوت ، ويقال : من غم الذنب وقد بقي في بطن الحوت أربعين يوما ، ويقال : أقل من ذلك . ثم قال : وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ . قرأ عاصم في رواية أبي بكر ، وابن عامر في إحدى الروايتين نجي المؤمنين بنون واحدة وتشديد الجيم . وقال الزجاج : هو لحن ، لأن فعل ما لم يسم فاعله لا يكون بغير فاعل ؛ وإنما كتب في المصحف بنون واحدة ، لأن الثانية تخفى مع الجيم . وقال أبو عبيد : والذي عندنا أنه ليس بلحن ، وله مخرجان في العربية : أحدهما : أنه يريد ننجي مشددة كقوله : وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ ثم يدغم النون الثانية في الجيم ؛ والآخر : معناه نجّي نجاة المؤمنين . قال : هذه القراءة أحب إلي ، لأن المصاحف كلها كتبت بنون واحدة ، وهكذا رأيت في مصحف الإمام عثمان رضي اللّه عنه وقرأ الباقون نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ بنونين . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 89 إلى 91 ] وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ( 89 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ ( 90 ) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ( 91 ) قوله عز وجل : وَزَكَرِيَّا يعني : واذكر زكريا إِذْ نادى رَبَّهُ ، يعني : إذ دعا ربه : رَبِّ