أبو الليث السمرقندي

436

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

الخبر : أن أيوب كان بمنزلة الملك ، وهو أيوب بن برضى النبي عليه السلام وكانت له أموال من صنوف مختلفة ، وكانت له ضياع كثيرة ، وكان له ثلاثمائة زوج ثيران ، وغلمان يعملون له في ضياعه ، وأموال السوائم من الغنم والإبل والبقر ، وكان متعبدا ناسكا منفقا متصدقا ، فحسده إبليس عدو اللّه وقال : إن هذا يذهب بالدنيا والآخرة . وأراد أن يفسد عليه إحدى الدارين أو كلتيهما ، فسأل اللّه تعالى وقال : إن عبدك أيوب يعبدك ، لأنك أعطيته السعة في الدنيا ، ولولا ذلك لم يعبدك قال اللّه تعالى : إني أعلم منه أنه يعبدني ويشكرني ، وإن لم يكن له سعة في الدنيا . فقال : يا ربّ سلطني عليه ، فسلطه على كل شيء منه إلا على روحه . فرجع إبليس إلى غنمه كهيئة النار ، وضرب عليها فأهلك جميع غنمه ، فجاءت رعاته فأخبروه بالقصة ، فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ، وقال : هو الذي أعطى وهو الذي أخذ ، وهو أحق به . ويقال : إنه أحرق غنمه ورعاته ، فجاء إبليس على هيئة راع من رعاته فأخبره بذلك ، فقال له أيوب عليه السلام : لو كان فيك خير لهلكت مع أصحابك . ثم جاء إلى إبله وبقره ففعل مثل ذلك ، ثم جاء إلى زرعه كهيئة النار فأفسد جميع زرعه ، فأخبر بذلك ، فحمد اللّه عز وجل وأثنى عليه ، وقال : هو الذي أعطى وهو الذي أخذ ، وهو أحق به . وكان له سبعة بنين وثلاث بنات ؛ ويقال : سبعة بنين وسبع بنات في بيت ، فجاء إبليس عليه اللعنة فهدم البيت عليهم فماتوا كلهم ، فذكر ذلك لأيوب عليه السلام فحمد اللّه عز وجل على ذلك ، وأثنى عليه ، ولم يجزع وقال : هو الذي أعطى وهو الذي أخذ . ثم جاء إلى أيوب وكان في الصلاة ، فلما سجد نفخ في أنفه وفمه نفخة ، فانتفخ أيوب عليه السلام وخرجت به قروح ، وجعل تسيل منها الصديد ، وتفرق عنه أقرباؤه وأصدقاؤه ، ولم يبق معه أحد إلا امرأته . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : « كان اسم امرأته ما حين بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب ، ويقال : كان اسمها رحمة . فتأذى به جيرانه وقالوا لامرأته : احمليه من هاهنا ، فإنا نتأذى به . فحملته حتى أخرجته إلى كناسة قوم ، ووضعته عليها ، وجعلت تدخل على الناس وتخدمهم وتأخذ شيئا وتنفقه عليه . وكان ذلك البلاء ما شاء اللّه . فجاء إبليس في صورة طبيب ، وقال للمرأة : إني أردت أن يبرأ من علته ، فمريه يشرب الخمر ، ويتكلم بكلمة الكفر . فأخبرته المرأة بذلك ، فقال لها : ذلك إبليس الذي أمرك بهذا ، فألحّت عليه ، فغضب وقال : واللّه لئن برئت ، لأضربنك مائة سوط . قالت : متى تبرأ ؟ فقال عند ذلك : ربّ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ . ويقال : إنه اشتهى شيئا يتخذ بالسمن ، فدخلت امرأته على امرأة غني من الأغنياء وسألتها ذلك ، فأبت عليها . ثم نظرت إلى ذوائبها ، فرأت ذوائبها مثل الحبل ، فقالت : لئن دفعت إليّ ذوائبك ، دفعت إليك ما تطلبين مني . فدفعت بالمقراض وقطعت ذوائبها ودفعتها إليها ، وأخذت منها ما سألت ، وجاءت به إلى أيوب عليه السلام فقال لها : من أين لك هذا ؟ فأخبرته بالقصة ، فبكى أيوب عند ذلك ، وقال : ربّ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ .