أبو الليث السمرقندي
430
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
أن القوم كانوا أرادوا أن يخرجوا إلى عيد لهم ، فقالوا لإبراهيم : اخرج معنا حتى تنظر إلى عيدنا . وكان القوم في ذلك الزمان ينظرون إلى النجوم ، فينظر أحدهم ويقول : إنه يصيبني كذا وكذا من الأمر ، وكان ذلك معروفا عندهم . وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لم يخلفوا بعدهم إلا من كان مريضا ، فنظر إبراهيم عليه السلام في النّجوم فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ [ الصافات : 89 ] يعني : أشتكي غدا . فأصبح من الغد معصوبا رأسه ، وخرج القوم إلى عيدهم ، ولم يتخلف أحد غيره . فلما خرج القوم ، قال إبراهيم : أما واللّه لأكيدنّ أصنامكم . فسمعها رجل منهم فحفظها عليه . فأخذ إبراهيم فأسا ويقال قدوما ، وجاء إلى بيت أصنامهم وقد وضعوا ألوان الطعام بين أيديهم ، فإذا رجعوا من عيدهم ، كانوا يرفعون ذلك الطعام ويأكلونه تبركا . ودخل إبراهيم بيت الأصنام ، فرأى ذلك الطعام بين أيديهم ، فقال : أَ لا تَأْكُلُونَ [ الصافات : 91 ] فلم يجيبوه ، فقال : ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ [ الصافات : 92 ] فأقبل عليهم ضَرْباً بِالْيَمِينِ [ الصافات : 93 ] ، يعني : جعل يضرب القدم بيده . وقال السدي : قطع رؤوسها كلها . وقال ابن عباس : « كسرها كسرا » وقال بعضهم : نحت وجوههم . وقال بعضهم : قطع يد بعضهم ورجل بعضهم وأذن بعضهم ، فذلك قوله تعالى : فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً ، يعني : فتاتا ، ويقال : كسرهم قطعا قطعا . وقال أهل اللغة : كل شيء كسرته فقد جذذته . وقال أبو عبيد : يعني : فتاتا يقال : كسرهم أي استأصلهم ، ويقال : جذّ اللّه دابرهم أي : استأصلهم . وقرأ الكسائي : جُذاذاً بكسر الجيم ، والباقون بالضم جُذاذاً وقرئ بالشاذ جُذاذاً بالنصب ، ومعناه قريب بعضها من بعض ، وهو الكسر . إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لم يكسره وتركه على حاله ، وقال الزجاج : يحتمل الكبير في الخلقة ، ويحتمل أكبر ما عندهم في تعظيمهم . لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ، يعني : إلى الصنم الأكبر ، ويقال : يَرْجِعُونَ إلى قوله باحتجاجه عليهم لوجوب الحجة عليهم ، فجعل القدوم على عنق ذلك الصنم الأكبر . فلما رجعوا من عيدهم ، نظروا إلى آلهتهم مكسّرة ، ويقال : حين دخل إبراهيم عليه السلام بيت الأصنام ، كان عندهم خدم ، يعني : الوصائف ، فخرجن وقلن : إن هذا الرجل مريض ، جاء يطلب من الآلهة العافية . فلما خرج إبراهيم ودخلن ، فنظرن إلى الأصنام مقطوعة الرؤوس ، فخرجن إلى الناس بالويل والصياح وأخبرنهم بالقصة ، فتركوا عيدهم ودخلوا ، فلما رأوا ذلك ، قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ في فعله . قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ، يعني : يعيبهم ، ويقال : أخبر الرجل الذي سمع منه فقال : إني سمعت فتى يذكرهم قال : تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ . يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ . صار إبراهيم رفعا ، بمعنى : يقال له هو إبراهيم . وقال : ويحتمل يقال له إبراهيم ، رفع على معنى النداء المفرد . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 61 إلى 67 ] قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ( 61 ) قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ( 62 ) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ( 63 ) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ( 64 ) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ( 65 ) قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ( 66 ) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 67 )