أبو الليث السمرقندي
424
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال عز وجل : أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً الميم صلة ، يعني : اعبدوا من دونه آلهة ؟ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ، يعني : حجتكم وكتابكم الذي فيه عذركم . هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ هذا القرآن خبر من معي إلى يوم القيامة وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ؛ يعني : خبر من قبلي ، فلا أجد فيه أن الشرك كان مباحا في وقت من الأوقات ويقال : هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ، يعني : القرآن وكتب الأولين . ثم قال : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ يعني لا يصدقون بالقرآن ، ويقال بالتوحيد . فَهُمْ مُعْرِضُونَ ، يعني : مكذّبين بالقرآن والتوحيد . ثم بين ما أمر في جميع الكتب للرسل ، فقال عز وجل : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ ، كما يوحى إليك أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ، يعني : فوحّدوني . وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً وذلك حين قال مشركو قريش في الملائكة عليهم السلام ما قالوا ، فقال اللّه تعالى سُبْحانَهُ نزه نفسه عن الولد . بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ، يعني : بل عبيد أكرمهم اللّه عز وجل بعبادته . لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ ، أي : لا يقولون ولا يعملون شيئا ما لم يأمرهم . وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يعني : يعملون ما يأمرهم به يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمر الآخرة . وَما خَلْفَهُمْ من أمر الدنيا ، وَلا يَشْفَعُونَ يعني : الملائكة عليهم السلام . إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى أي : لمن رضي عنه بشهادة أن لا إله إلا اللّه . وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ، يعني : من هيبته خائفون ، لأنهم عاينوا أمر الآخرة فيخافون عاقبة الأمر . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 29 إلى 30 ] وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 29 ) أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) ثم قال : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ ، أي : من الملائكة : إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ ، يعني : من دون اللّه ، ولم يقل ذلك غير إبليس عدو اللّه . فَذلِكَ ، يعني : ذلك القائل نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ، أي : الكافرين . قوله عز وجل : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، يعني : أو لم يخبروا في الكتاب ؟ قرأ ابن كثير : ا لم ير بغير واو وقرأ الباقون بالواو ومعناهما قريب . أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً يعني : ملتزما فَفَتَقْناهُما ، أي : فرقناهما وأبنّا بعضها من بعض . وقال مجاهد : كانت السماء لا تمطر والأرض لا تنبت ، ففتقناهما بالمطر والنبات ، وقال القتبي : كانتا منضمتين ففتقنا السماء بالمطر ، والأرض بالنبات وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : كانت السماوات واحدة والأرض واحدة ، فتفتقت السماء سبعا ، والأرض مثلهن . وقال الزجاج : ذكر السماوات والأرض ثم قال : كانَتا رَتْقاً لأن السماوات يعبر عنها بالسماء بلفظ الواحد ، وأن السماوات كانت سماء واحدة وكذلك