أبو الليث السمرقندي
420
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
فأعلمهم اللّه تعالى أنه يعلم قولهم ، وأطلع نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم على سرهم وعلانيتهم فقال : قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ ، يعني : يعلم سر أهل السماوات وسر أهل الأرض . قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص قالَ رَبِّي يَعْلَمُ على معنى الخبر ، وقرأ الباقون قل ربي أعلم على معنى الأمر . ثم قال : وَهُوَ السَّمِيعُ بمقالتهم ، الْعَلِيمُ بهم وبعقوبتهم . بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ ، يعني : أباطيل أحلام كاذبة . وقال أهل اللغة : لا يكون الضغث إلا من أخلاط شتى ، فلذلك يقال : أضغاث أحلام ، يعني : لما فيها من التخاليط ، وهو كل حلم لا يكون له تأويل ، ومن هذا قوله : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً [ ص : 4 ] ، يعني : أخلاط العيدان عدد مائة ، ويقال : في الآية تقديم ومعناه : بل قالوا أضغاث أحلام . بَلِ افْتَراهُ ، أي اختلقه من تلقاء نفسه . بَلْ هُوَ شاعِرٌ ، يعني : ينقضون قولهم بعضهم ببعض ، مرة يقولون سحر ، ومرة يقولون أضغاث أحلام . فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ، أي يقولون : فأتنا بآية أي : بعلامة كما في الرسل الأولين . فأخبر اللّه تعالى أنهم لا يؤمنون ، وإن أتاهم بآية . فقال عز وجل : ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ ، يعني : قبل كفار مكة . مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ للصلة والزينة ، يعني : لم يصدق قبلهم أهل قرية للرسل ، إذا جاءتهم بالآيات . أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ ؟ يعني : أفقومك يصدقون إذا جاءتهم الآيات ؟ أي : لا يؤمنون . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 7 إلى 9 ] وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 7 ) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ ( 8 ) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ( 9 ) ثم قال عز وجل : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ، يعني : لم أرسل إليهم الملائكة بالرسالة ، وكانت الرسل من الآدميين . فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ، يعني : أهل التوراة والإنجيل . إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ، يعني : لا تصدقون . وذلك أن أهل مكة قالوا : لو أراد اللّه تعالى أن يبعث إلينا رسولا لأرسل ملائكة . قرأ عاصم في رواية حفص إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ بالنون وكذلك في قوله : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [ الأنبياء : 25 ] ، وقرأ حمزة والكسائي الأول بالياء ، والثاني بالنون ، والباقون كلاهما بالياء ، وهو اختيار أبي عبيد رحمه اللّه . ثم قال عز وجل : وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ، يعني : ما خلقنا الرسل جسدا لا يأكلون ولا يشربون ، ولكن جعلناهم أجسادا فيها أرواح يأكلون ويشربون . وقال جَسَداً ولم يقل أجسادا ، لأن الواحد ينبئ عن الجماعة ، ويقال : معناه وما جعلناهم ذوي أجساد لا يأكلون الطعام ، لأنهم قالوا : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ [ الفرقان : 7 ] . ثم قال : وَما كانُوا خالِدِينَ ، يعني : في الدنيا . ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ ، يعني : العذاب للكفار والنجاة