أبو الليث السمرقندي
408
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله عز وجل : وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ؛ وذلك أن موسى لما انتهى إلى الجبل وخلّف السبعين رجلا الذين اختارهم ، عجّل موسى عليه السلام شوقا إلى كلام ربه ، وأمرهم بأن يتبعوه إلى الجبل ، فقال اللّه تعالى لموسى عليه السلام وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ، يعني : ما أسبقك عن قومك ، وتركت أصحابك خلفك ؟ قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي ، ويحتمل أن يكون أُولاءِ صلة ، يعني : هم على أثري أي : يجيئون من بعدي . وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ، يعني : لكي يزداد رضاك عني . قوله عز وجل : قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وهذا على وجه الاختصار ، لأنه لم يذكر ما جرى من القصة ، لأنه ذكر في موضع آخر ، فهاهنا اختصر الكلام وقال : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ ، يعني : ابتلينا قومك من بعد انطلاقك إلى الجبل ، وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ؛ يعني : أمرهم السامري بعبادة العجل . فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً أي : حزينا وقال القتبي : أَسِفاً أي : شديد الغضب . فلما دخل المحلة ، رآهم حول العجل ، فأبصر ما يصنعون حوله ، قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ؛ يعني : وعدا صدقا ، ومعناه : وعد اللّه عز وجل بأن يدفع الكتاب إلى موسى عليه السلام ليقرأه عليهم ويهتدوا به ؟ أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ ، يعني : طالت عليكم المدة ؟ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ ، يعني : يجب غَضَبٌ ، يعني : سخط مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي يعني : بترك عبادة اللّه عزّ وجل ؟ [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 87 إلى 89 ] قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ( 87 ) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ ( 88 ) أَ فَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ( 89 ) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ، يعني : ما تعمدنا ذلك . قرأ حمزة والكسائي بِمَلْكِنا بضم الميم ، يعني : ما فعلناه بسلطان كان لنا ولا قدرة . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بِمَلْكِنا بكسر الميم . والملك ما حوته اليد . وقرأ نافع وعاصم بِمَلْكِنا بنصب الميم وهو بمعنى الملك . وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً ، يعني : آثاما مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ ، يعني : من حلي آل فرعون . ويقال : أَوْزاراً يعني : أحمالا ، فَقَذَفْناها يعني : فطرحناها في النار . قرأ حمزة والكسائي ، وأبو عمرو ، وعاصم في رواية أبي بكر حُمِّلْنا بالنصب والتخفيف ، وقرأ الباقون حُمِّلْنا بضم الحاء وتشديد الميم على فعل ما لم يسم فاعله . فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ يعني : ألقاها في النار كما ألقينا .