أبو الليث السمرقندي

400

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ، يعني : اخترتك للرسالة والنبوة ولإقامة حجتي . فقال موسى : يا ربّ حسبي حسبي فقد تمت كرامتي ، فقال اللّه عز وجل : اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي ، يعني : آياتي التسع ، وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي ؛ يعني : لا تفترا ولا تضعفا ولا تعجزا عن أداء رسالتي . اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ، يعني : تكبر وعلا . فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً ، يعني : كلاما باللين والشفقة والرفق ، لأن الرؤساء بكلام اللين أقرب إلى الانقياد من الكلام العنيف . أي : قولا له : أيها الملك ، ويقال : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لوجوب حقه عليك بما ربّاك ، وإن كان كافرا . وروى أسباط عن السدي قال : القول اللين ، أن موسى جاءه فقال له : تسلم وتؤمن بما جئت به وتعبد رب العالمين ، على أن لك شبابا لا يهرم أبدا ، وتكون ملكا لا ينزع منك أبدا حتى تموت ، ولا ينتزع منك لذة الطعام والشراب والجماع أبدا حتى تموت ، فإذا متّ دخلت الجنة . قال : فكأنه أعجبه ذلك ، وكان لا يقطع أمرا دون هامان ، وكان هامان غائبا فقال له فرعون : إن لي من أوامره وهو غائب حتى يقدم أي لأشاوره . فلم يلبث أن قدم هامان ، فقال له فرعون : علمت بأن ذلك الرجل أتاني ؟ فقال هامان : ومن ذلك الرجل ؟ فقال : هو موسى . قال : فما قال ؟ فأخبره بالذي دعاه إليه . قال : فما قلت له ؟ قال : لقد دعاني إلى أمر أعجبني . فقال له هامان : قد كنت أرى لك عقلا وأن لك رأيا بينا ، أنت رب أفتريد أن تكون مربوبا ، وبينا أن تعبد أفتريد أن تعبد غيرك ؟ فغلبه على رأيه فأبى . ثم قال تعالى : لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ، يعني : يتعظ أو يسلم . وقال الزجاج : « لعل » في اللغة ترجّي وتطمّع ، يقول : لعله يصير إلى خير . واللّه سبحانه وتعالى خاطب العباد بما يعقلون ، والمعنى عند سيبويه : اذهبا على رجائكما وطمعكما ، وقد علم اللّه تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى ، إلا أن الحجة إنما تجب بإبائه . وقال بعض الحكماء : إذا أردت أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فعليك باللين لأنك لست بأفضل من موسى وهارون ، ولا الذي تأمره بالمعروف ليس بأسوأ من فرعون ، وقد أمرهما اللّه تعالى بأن يأمراه باللين ، فأنت أولى أن تأمر وتنهى باللين . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 45 إلى 52 ] قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى ( 45 ) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ( 46 ) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ( 47 ) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 48 ) قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى ( 49 ) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ( 50 ) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ( 51 ) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ( 52 ) ثم قال اللّه عز وجل : قالا ، يعني : موسى وهارون :