أبو الليث السمرقندي
376
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ دعاءك وَلا يُبْصِرُ عبادتك وَلا يُغْنِي عَنْكَ من عذاب اللّه عز وجل شَيْئاً ؛ قرأ ابن عامر : يا أَبَتِ بالنصب ، والباقون بالكسر ، وكذلك ما بعده . والعرب تقول في النداء : يا أبت ولا تقول يا أبتي . ثم قال : يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ من اللّه عز وجل من البيان ، ما لَمْ يَأْتِكَ أنه من عبد غير اللّه عز وجل ، عذبه اللّه في الآخرة بالنار . فَاتَّبِعْنِي ، يعني : أطعني فيما أدعوك ، ويقال : اتبع دين اللّه أَهْدِكَ ، يعني : أرشدك صِراطاً سَوِيًّا ، يعني : طريقا عدلا قائما ترضاه . ثم قال : يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ، يعني : لا تطع الشيطان ، فمن أطاع شيئا فقد عبده . إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ، يعني : عاصيا . ثم قال : يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ ، يعني : أعلم أن يمسك عَذابٌ يعني : إن أقمت على كفرك يصيبك عذاب . مِنَ الرَّحْمنِ ، فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ؛ يعني : قرينا في النار . قالَ له أبوه : أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي ، يعني : أتارك أنت عبادة آلهتي ؟ يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ، يقول : إن لم تنته عن مقالتك ولم ترجع عنها ، لأسبنك وأشتمنك . وكل شيء في القرآن من الرجم فهو القتل غير هاهنا ، فإن هاهنا أراد به السبّ والشتم . وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ، يعني : تباعد عني حينا طويلا ولا تكلمني ؛ وقال السدي : مَلِيًّا تعني أبدا ، وقال قتادة : وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا يعني : تباعد عني سالما ، ويقال : لا تكلّمني دهرا طويلا . قالَ إبراهيم : سَلامٌ عَلَيْكَ ، يعني : أكرمك اللّه بالهدى ، سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ، يعني : سأدعو لك ربي . إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ، يعني : بارا عوّدني الإجابة إذا دعوته ، ويقال : تحفّيت بالرجل إذا بالغت في إكرامه ، وهذا قول القتبي ، ويقال : حَفِيًّا يعني : عالما يستجيب لي إذا دعوته ، وكان يستغفر له ما دام أبوه حيا ، وكان يرجو أن يهديه اللّه عز وجل ، فلما مات كافرا ، ترك الاستغفار له . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 48 إلى 50 ] وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ( 48 ) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا ( 49 ) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ( 50 ) قوله عز وجل : وَأَعْتَزِلُكُمْ ، يعني : وأترككم وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، يعني : وأترك عبادة ما تعبدون من دون اللّه عز وجل ، وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ؛ يعني : لا يخيّبني إذا دعوته ، ثم هاجر إلى بيت المقدس . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ، يعني : أكرمناه بالولد وهو إسحاق وولد الولد وهو يعقوب عليهما السلام . وقال بعض الحكماء : من هاجر لطلب رضاء اللّه عز وجل ، أكرمه اللّه عز وجل في