أبو الليث السمرقندي

373

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال عز وجل : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً ، يعني : إن رأيت أحدا من الناس ، فَقُولِي إن سألك سائل شيئا فقولي : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً ، يعني : صمتا . وروي عن ابن عباس في بعض الروايات أنه كان يقرأ إنّي نذرت للرّحمن صمتا . فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ؛ يعني : قولي ذلك بالإشارة لا بالقول ، وكان المتقدمون يصومون من الكلام كما يصومون من الطعام . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 27 إلى 33 ] فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ( 27 ) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( 28 ) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ( 32 ) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ( 33 ) ثمّ قال : فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ وذلك أن مريم حملت عيسى عليه السلام ودخلت على أهلها ، وكان أهلها أهل بيت صالحين . قالُوا أي قال لها قومها : يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ، يعني : أتيت وفعلت أمرا منكرا عظيما ، لا يعرف منك ولا من أهل بيتك . قوله عز وجل : يا أُخْتَ هارُونَ ، يعني : هارون بن ماثان ، وكان من أمثل بني إسرائيل يا أُخْتَ هارُونَ ، يعني : يا شبه هارون في الصلاة والصلاح ، ويقال : كان رجل سوء يسمى هارون فعيّروها به وشبهوها بهارون ، ويقال : كان لها أخ يقال له هارون من أبيها ولم يكن من أمها ، وذكر أن أهل الكتاب قالوا : كيف تقولون إن مريم أخت هارون وكان بينهما ستمائة سنة ؟ فذكر ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « إنّهم كانوا يسمّون بأسماء الأنبياء والصّالحين » عليهم السّلام يعني : أن أخا مريم سمّي باسم هارون النبي عليه السلام . ثم قال : ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ ، يعني : زانيا وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ، يعني : فاجرة . قوله عز وجل : فَأَشارَتْ إِلَيْهِ ، يعني : أشارت إلى عيسى عليه السلام أن كلموه ، يعني : كلّموا عيسى . قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ؟ يعني : من هو في الحجر رضيع . ويقال : معناه كيف نكلم من هو يكون في المهد ؟ ويقال : معناه كيف نكلم من يكون في المهد صبيا ؟ فأنطق اللّه عز وجل عيسى ، فتكلم و قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ، فأول الكلام الذي تكلم به هو ردّ على النصارى ، لأنه أقر بأنه عبد اللّه ورسوله . ثم قال : آتانِيَ الْكِتابَ ؛ روي عن ابن عباس أنه قال : « معناه علمني الكتاب في بطن أمي » ، ويقال : معناه يؤتيني الكتاب وهو الإنجيل ، وَجَعَلَنِي نَبِيًّا أي أكرمني اللّه تعالى بأن جعلني نبيا ، وَجَعَلَنِي مُبارَكاً ؛ يعني : جعلني معلما للخلق أَيْنَ ما كُنْتُ ، يعني : حيث ما كنت ، وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ؛