أبو الليث السمرقندي

19

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

الذي يخبركم محمد مثل ما أحدّثكم من أحاديث الأولين وكذبهم ، فقال له عثمان بن مظعون : اتّق اللّه يا نضر ، فإنّه ما يقول إلا حقا ، فقال النضر بن الحارث : وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ، يعني : إن كان ما يقول محمد من القرآن حقا ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ . قال أبو عبيدة : كل شيء في القرآن أمطر فهو من العذاب ، وما كان من الرحمة فهو مطر . وروى أسباط عن السدي قال : قال النضر بن الحارث : اللهم إن كان ما يقول محمد حقا ، فأمطر علينا حجارة من السماء ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ فنزل سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [ المعارج : 1 ] فاستجيب دعاؤه ، وقتل في بدر . قال سعيد بن جبير : قتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثة يوم بدر صبرا : النضر بن الحارث ، وطعمة بن عدي ، وعتبة بن أبي معيط . وكان النضر أسره المقداد ، فقال المقداد : يا رسول اللّه أسيري ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّه كان يقول في اللّه ورسوله ما يقول » ، فقال : يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسيري . فقال : اللّهمّ أغن المقداد من فضلك » . فقال المقداد : هذا الذي أردت فنزل وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ؛ وكان ذلك القول من النضر حين كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مكة ، فأخبر اللّه تعالى أنه لا يعذبهم وأنت بين ظهرانيهم ، حتى يخرجك عنهم كما أخرج الأنبياء قبلك عن قومهم ثم عذبهم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 33 إلى 35 ] وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 33 ) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 34 ) وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 35 ) ثم قال عز وجل : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، يعني : يصلّون للّه الصلوات الخمس وهم أهل الإيمان ؛ وقال مجاهد : وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يعني : وهم مسلمون ؛ ويقال : فيهم من يؤول أمره إلى الإسلام . ويقال : وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يعني : وفي أصلابهم من يسلم . وروي عن أبي موسى الأشعري قال : « كان أمانان في الأرض ، رفع أحدهما وبقي الآخر وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وقال عطية : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، يعني المشركين حتى يخرجك منهم . وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، يعني المؤمنين . ثم عاد إلى ذكر المشركين فقال : وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ، يعني : بعد ما أخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه من بينهم . وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، يعني : يمنعون المؤمنين عن المسجد الحرام . وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ ؛ يعني : المشركين . قال الكلبي : يعني ، ما كانوا