أبو الليث السمرقندي
12
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
النَّارِ يوم القيامة مع القتل في الدنيا ، يعني : أن القتل والضرب لم يصر كفارة لهم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 15 إلى 16 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ( 15 ) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 16 ) قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، يعني : إذا لقيتم الذين كفروا بتوحيد اللّه تعالى يوم بدر زَحْفاً ، يعني : مزاحفة ، ويقال : زحف القوم ، إذا دنوا للقتال ، ومعناه : إذا واقعتموهم للقتال ، فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ يعني : منهزمين . وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ، يعني : تولّى ظهره منهزما يَوْمَئِذٍ يعني : يوم حربهم . وقال الكلبي : يعني يوم بدر خاصة إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ ، يعني مستطردا للكرة يريد الكرة للقتال أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ ، يعني ينحاز من فئة إلى فئة من أصحابه يمنعونه من العدو . قال أهل اللغة : تحوّزت وتحيّزت ، أي انضممت إليه ، ومعناه : إذا كان منفردا فينحاز ليكون مع المقاتلة ، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وفي الآية تقديم ، يعني : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي : استوجب الغضب من اللّه . وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة . وروي عن الحسن أنه قال : « كان كلّ هذا يوم بدر وغيره . - وعن الضحاك قال : هذا يوم بدر خاصة « 1 » - خاصة ، لأنه لم يكن لهم فئة ينحازون إليها » . وعن داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة قال : « نزلت يوم بدر ، لأنهم لم ينحازوا إلا إلى المشركين ، لم يكن في الأرض مسلمون غيرهم » . وقد قال بعضهم : بأن الآية غير منسوخة ، لأنه لا يجوز للواحد أن يهرب من الاثنين ، ويجوز أن يهرب من الجماعة . وإذا لم يكن معه سلاح جاز له أن يهرب ممن معه السلاح ، وإذا لم يكن راميا جاز له أن يهرب من الرامي . فإذا كان عدد المسلمين نصف عدد الكفار ومعهم سلاح ، لا يجوز لهم أن يهربوا من الكفار ، وإذا كان المسلمون اثني عشر ألفا ومعهم سلاح ، لا يجوز لهم أن يهربوا من الكفار وإن كانوا مائة ألف ، لأنه روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « خير الصّحابة أربعة ، وخير السّرايا أربعمائة ، وخير الجيوش أربعة آلاف ؛ ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلّة إذا كانت كلمتهم واحدة » « 2 » ، فينبغي لهم أن يجعلوا كلمتهم واحدة ويقاتلوهم ، حتّى ينصرهم اللّه تعالى » . والآية نزلت في الذي لا يجوز له الهرب . وروى سليمان بن هلال ، عن ثور بن زيد ، عن أبي المغيث ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « اجتنبوا الموبقات » .
--> ( 1 ) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة « أ » . ( 2 ) حديث ابن عباس : أخرجه الترمذي ( 1555 ) وأبو داود ( 2611 ) والبيهقي : 9 / 156 وأحمد 1 / 293 وصححه الحاكم : 1 / 443 وابن خزيمة ( 2538 )