أبو الليث السمرقندي

93

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ، يعني يبني إبراهيم القواعد ، يعني أساس البيت ، أي الكعبة . والقواعد جماعة واحدها قاعدة . وَإِسْماعِيلَ ، يعني إسماعيل يعينه . قال مقاتل : وفي الآية تقديم وتأخير ، معناه وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت . ويقال : إن إبراهيم كان يبني البيت وإسماعيل يعينه ، والملائكة يناولون الحجر من إسماعيل ، وكانوا ينقلون الحجر من خمسة أجبل : طور سيناء وطور زيتاء والجودي ولبنان وحراء ؛ فلما فرغا من البناء ، قالا رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا يعني أعمالنا . إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، أي السميع لدعائنا بنياتنا . وفي الآية دليل : أن الإنسان إذا عمل خيرا ينبغي أن يدعو اللّه بالقبول ، ويقال : ينبغي أن يكون خوف الإنسان على قبول العمل بعد الفراغ أشد من شغله بالعمل ، لأن اللّه تعالى قال : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [ المائدة : 27 ] . وروي في الخبر أن إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - لما فرغا من البناء ، جثيا على الركب وتضرعا وسألا القبول ، فقال جبريل لإبراهيم : قد أجيب لك ، فاسأل شيئا آخر ، فقالا : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ، أي مخلصين لك ، ويقال : واجعلنا مثبتين على الإسلام ، ويقال : مطيعين لك ، ويقال : أمتنا على الإسلام . وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ، أي اجعل بعض ذريتنا من يخلص لك ، ويثبت على الإسلام . ثم قال : وَأَرِنا مَناسِكَنا . أي علمنا أمور مناسكنا . وقال القتبي : الرؤية المعاينة كقوله عز وجل : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [ الزمر : 60 ] ، وقوله : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ [ الإنسان : 20 ] . ويقال : تذكر الرؤية ويراد بها العلم كقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الأنبياء : 30 ] وكقوله : أَرِنا مَناسِكَنا ، أي عملنا . وكقوله لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ . قرأ ابن كثير ومن تابعه من أهل مكة وَأَرِنا بجزم الراء في جميع القرآن ، والباقون بكسر الراء ، وهما لغتان والكسر أظهر وأفصح . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ - أي مطيعين وموحدين وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ، أي جماعة موحدة مطيعة لك . ويقال : أشكل عليهما موضع البيت ، فبعث اللّه تعالى سحابة فقالت له : ابن بخيالي ، فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت بخيال السحابة . ثم قال تعالى وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا أي تجاوز عنا الزلة ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ بعبادك . رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ . قال مقاتل : لأن إبراهيم علم أن في