أبو الليث السمرقندي
91
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وقوله عز وجل : فَأَتَمَّهُنَّ ، يعني عمل بهن . ويقال : كان إبراهيم أفضل الناس في زمانه ، وكرم على اللّه تعالى فابتلاه اللّه عز وجل بخصال لم يبتل بها غيره ، فكان من الابتلاء أن أمه ولدته في غار . ومن الابتلاء حيث نظر إلى الكوكب فقال : هذا ربي . وروى الحسن أنه قال : كان الابتلاء بثلاثة أشياء ؛ أولها : الابتلاء بالكوكب والشمس والقمر ، والثاني : بالنار ، والثالث : بأمر سارة . ويقال : كل من كان أكرم على اللّه كان ابتلاؤه أشد ، لكي يتبين فضله ويستوجب الثواب . كما روي عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه : يا بني الذهب والفضة يختبران بالنار ، والمؤمن يختبر بالبلايا . فَأَتَمَّهُنَّ ، أيّ عمل بهن . ويقال : فَأَتَمَّهُنَّ أي وفي بهن ، فلما وفّى الأمر جعله اللّه تعالى إماما للناس ليقتدوا به . وفي هذا دليل : أن الإنسان لا يبلغ درجة الأخيار إلا بالتعب وجهد النفس ، فلما جعله اللّه تعالى إماما ، قالَ له : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً والإمام الذي يؤتم به فأعجبه ذلك ، وتمنى أن يكون ذلك لذريته بعده مثل ذلك ، ف قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ، يعني اجعلهم أئمة يقتدى بهم . قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ، يعني الكافرين ، يعني لا يصلح أن يكون الكافر إماما للناس . ويقال : لا تصيب رحمتي الكافرين . فاللّه تعالى أخبره أنه يكون في ذريته كفار ، وأخبره أنه لا ينال عهده من كان كافرا . قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ أي الكافرين يعني لا يصلح أن يكون الكافر إماما للناس . ويقال : لا تصيب الرحمة الكافر . فاللّه تعالى أخبره أنه يكون في ذنبه وأخبره أنه لا ينال عهده من كفر وكان كافرا . قرأ حمزة وعاصم رواية حفص لا يَنالُ عَهْدِي بسكون الياء . وقرأ الباقون بنصب الياء عَهْدِي الظَّالِمِينَ وهما لغتان ومعناهما واحد . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 125 ] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 125 ) قوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ، يقول : وضعنا البيت ، يعني الكعبة معادا لهم ، يعودون إليه مرة بعد مرة . وقال قتادة : مجمعا للناس يثوبون إليه من كل جهة ، وفي كل سنة فلا يقضون منها وطرا . وَأَمْناً ، أي جعلناه أمنا لمن التجأ إليه ، يعني من وجب عليه القصاص . ولهذا قالوا : لو أن رجلا وجب عليه القصاص فدخل الحرم ، لا يقتص منه في الحرم . وهكذا روي عن ابن عمر أنه قال : لو وجدت قاتل عمر في الحرم ، ما هيجته ، أي ما أزعجته ولكن يمنع منه المنافع ، حتى يضطر ويخرج فيقتص منه . ويقال : آمنا لغير الممتحنين ، وهي الصيود إذا دخلت الحرم أمنت . ويقال : آمنا من الجذام . ثم قال تعالى : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ، قرأ نافع وابن عامر وَاتَّخِذُوا