أبو الليث السمرقندي
70
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال عز وجل : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ ، أي إقراركم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ ، أي بأن لا تسفكوا دماءكم ، يعني لا يهرق بعضكم دماء بعض ، وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ ، أي لا يخرج بعضكم بعضا مِنْ دِيارِكُمْ . فجملة ما أخذ عليهم من الميثاق ألا يعبدوا إلا اللّه وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، ويقولوا للناس حسنا ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ولا يسفكوا دماءهم ، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وأن يفادوا أسراهم . فذكر المفاداة بعد هذا حيث قال تعالى : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ على وجه التقديم والتأخير . ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ، يعني بني قريظة والنضير ، يعني أقررتم بهذا كله ، وأنتم تشهدون أن هذا في التوراة ، فنقضوا العهد فعيّرهم اللّه تعالى بذلك حيث قال تعالى : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ، يعني يا هؤلاء ويقال معناه ، ثم أنتم هؤلاء يا معشر اليهود تقتلون أنفسكم أي يقتل بعضكم بعضا ، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ ، أي بعضكم بعضا ، لأنه كان بين الأوس والخزرج عداوة وكان بنو النضير وقريظة : إحدى القبيلتين كانت معينة للأوس ، والأخرى كانت معينة للخزرج ، فإذا غلبت إحداهما على الأخرى كانت تقتلهم وتخرجهم من ديارهم . وفي الآية دليل أن الإخراج من الدار ينزل منزلة القتل ، لأن اللّه تعالى قرن الإخراج من الديار بالقتل حيث قال تعالى : تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ . تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ ، قرأ أهل الكوفة وحمزة والكسائي بالتخفيف ، وقرأ الباقون بالتشديد لأن أصله تتظاهرون ، فأدغم إحدى التاءين في الظاء وأقيم التشديد مقامه ، معناه : تتعاونون عليهم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ، يعني بالمعصية والظلم . قال الزجاج : العدوان هو الإفراط في الظلم . وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ ، قرأ عاصم والكسائي ونافع أُسارى تُفادُوهُمْ كلاهما بالألف ، وقرأ حمزة أسرى تفادوهم بغير ألف فيهما ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر أُسارى تُفادُوهُمْ الأول بالألف والثاني بغير ألف . وهذا من الميثاق الذي أخذ عليهم بأن يفادوا الأسارى . وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ هذا انصرف إلى ما سبق ذكره من الإخراج ، فكأنه يقول : وتخرجون فريقا منكم من ديارهم وهو محرم عليكم إخراجهم ، يعني ذلك الإخراج كان محرما ، ثم بيّن الإخراج مرة أخرى لتراخي الكلام ، فقال وهو محرم عليكم إخراجهم . ثم قال : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، لأنهم كانوا إذا أسروا من غيرهم