أبو الليث السمرقندي

63

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

وكل شيء منها أصفر . ويقال : أراد به البقرة السوداء ، لأن السواد الشديد يضرب إلى الصفرة ، كما قال تعالى : كَالْقَصْرِ ( 32 ) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ [ المرسلات : 33 ] ، وكما قال القائل : تلك خيلي منه ، وتلك ركابي * هنّ صفر أولادها كالزّبيب أراد بالصفر السود . ولكن هذا خلاف أقاويل المفسرين ، وكلهم اتفقوا أن المراد به صفراء اللون ، إلا قولا روي عن الحسن البصري . قوله عز وجل : تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ، يعني تعجب من نظر إليها لحسن لونها ، فشددوا على أنفسهم و قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ، يعني إنها من العوامل أو من غيرها . إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا ، أي تشاكل علينا في أسنانها وألوانها وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ، يعني نهتدي للقاتل . ويقال : نهتدي إلى البقرة أي ندركها بمشيئة اللّه تعالى . وروي عن ابن عباس أنه قال : لولا أنهم استثنوا لم يدركوها . وروي عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لو أنّ بني إسرائيل أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم ، ولولا أنّهم قالوا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ما وجدوها » . قالَ إِنَّهُ ، لهم موسى : إن ربكم يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ ، يقول لم يذللها العمل . وقال أهل اللغة : الذلول في الدواب مثل الذليل في الناس ، يقال : رجل ذليل ، ودابة ذليلة بيّنة الذل . تُثِيرُ الْأَرْضَ أي تقلبها للزراعة . ويقال للبقرة : المثيرة وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ ، يعني لا يسقى عليها الحرث ، أي لا يستسقى عليها الماء لتسقي الزرع ، ومعناه أن هذه البقرة لم تكن تعمل شيئا من هذه الأعمال . مُسَلَّمَةٌ يقال : مهذبة سليمة من العيوب . ويقال : مسلمة من الألوان . لا شِيَةَ فِيها ، قال بعضهم لا عيب فيها وقال بعضهم : لا وضح فيها ولا بياض ولا سواد ولا لون سوى لون الصفرة . وقال أهل اللغة : أصله من وشى الثوب ، وأصله في اللغة لا وشية فيها ولكن حذفت منها الواو للخفة مثل عدة وزنة . فلما وصف لهم موسى ذلك ، قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ، يعني الآن أتممت الصفة . ويقال : الآن جئت بالصفة التي كنا نطلب . فَذَبَحُوها ، يعني البقرة وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ، أي كادوا أن لا يذبحوها . وقد قيل : إنما أرادوا أن لا يذبحوها ، لأن كل واحد منهم خشي أن يظهر القاتل من قبيلته . وقال بعضهم : وما كادوا يفعلون لغلاء ثمن البقرة ، لأنهم كانوا لا يدركون بقرة بتلك الصفة . وروي عن وهب بن منبه أنه قال : لم توجد تلك البقرة إلا عند فتى من بني إسرائيل ، كان بارا بوالديه وكان يصلي ثلث الليل ، وينام ثلث الليل ، ويجلس ثلث الليل عند رأس أمه ويقول لها : إن لم تقدري على القيام فسبحي اللّه وهللي ، وكان ورث عن أبيه بقرة فلم يجد أهل تلك القرية على تلك الصفة إلا هذه البقرة ، فاشتروها بملئ مسكها دنانير . وقال بعضهم : كان رجل يبيع الجوهر ، فجاءه إبليس يوما بجراب من لؤلؤ فعرض