أبو الليث السمرقندي

60

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 63 إلى 64 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 63 ) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 64 ) قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ ، قال ابن عباس : هما ميثاقان ؛ الميثاق الأول : حين أخرجهم من صلب آدم - عليه السلام - والميثاق الثاني : الذي أخذ في التوراة وسائر الكتب . وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ وذلك أن موسى - عليه السلام - ، لما أتاهم بالتوراة فرأوا ما فيها من التغليظ والأمر والنهي ، شق ذلك عليهم فأبوا أن يقبلوها . وإن اللّه تعالى قد منّ على هذه الأمة حيث فرض عليهم الفرائض واحدا بعد واحد ، ولم يفرض عليهم جملة ، فإذا استقر الواحد في قلوبهم فرض الآخر . وأما بنو إسرائيل ، فقد فرض عليهم دفعة واحدة فشق ذلك عليهم ولم يقبلوا ، فأمر اللّه تعالى الملائكة فرفعوا جبلا من جبال فلسطين فوق رؤوسهم ، وكان عسكر موسى فرسخا في فرسخ والجبل مثل ذلك ، فلما رأوا أنه لا مهرب لهم منه ، قبلوا التوراة وسجدوا من المهابة والفزع ، وهم يلاحظون في سجودهم الجبل ، فمن ذلك يسجد بعض اليهود على أنصاف وجوههم ، فذلك قوله تعالى : وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ . والطور : اسم جبل بالسريانية : ويقال : هو جبل ذو أشجار . ثم قال تعالى : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ ، أي قيل لهم : اعملوا بما آتيناكم بجد ومواظبة واعملوا في طاعة اللّه وَاذْكُرُوا ما فِيهِ . قال بعضهم : اعملوا بما فيه . وقال بعضهم : اذكروا ما فيه من الثواب والعقاب ، لكي يسهل عليكم القبول . لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، أي لكي تتقوا عقوبته في المعصية فتمتنعوا عنها . ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ، أي أعرضتم من بعد ذلك الإقرار ، يعني من بعد ما رفع عنكم الجبل . فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، أي منّ اللّه عليكم وَرَحْمَتُهُ بتأخير العذاب ، لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ بالعقوبة . ويقال : فلو لا فضل اللّه عليكم ورحمته بإرسال الرسل إليكم لكيلا تقيموا على الكفر ، لكنتم من الخاسرين بالعقوبة . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 65 إلى 66 ] وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 65 ) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 66 ) ثم قال تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ، أي اصطادوا ، ويقال : استحلوا أخذ الحيتان يوم السبت . والسبت في اللغة هو الراحة ، كما قال في آية أخرى وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً [ النبأ : 9 ] أي راحة . فيوم السبت كان راحة لليهود عن أشغال الدنيا . وهذه الآية على معنى التحذير والتهديد ، فكأنه يقول : إنكم تعلمون ما أصاب الّذين استحلوا أخذ