أبو الليث السمرقندي
58
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
فغضب عليهم موسى - عليه السلام - قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، يعني أتستبدلون الرديء من الطعام بالذي هو خير أي بالشريف الأعلى ؟ ويقال : معناه تسألون الدنيء من الطعام وقد أعطاكم اللّه الشريف منه وهو المن والسلوى ؟ ويقال : أتختارون الدنيء الخسيس وهو الثوم والبصل على الذي هو أعلى وأشرف وهو المن والسلوى ؟ فقال اللّه تعالى لهم : اهْبِطُوا مِصْراً قرأ بعضهم بلا تنوين أي المصر الذي خرجتم منه ، وهو مصر فرعون ، ومن قرأ مصرا بالتنوين يعني : ادخلوا مصرا من الأمصار ، فَإِنَّ لَكُمْ فيه ما سَأَلْتُمْ تزرعون وتحصدون ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ . قال الحسن وقتادة : جعلت عليهم الجزية يعني على ذريتهم . ويقال : جعل عليهم كدّ العمل ، يعني أولئك القوم حتى كانوا ينقلون السرقين . وَالْمَسْكَنَةُ يعني زي الفقراء . وقال الكلبي : يعني الرجل من اليهود وإن كان غنيا ، يكون عليه زي الفقراء . وقوله تعالى : وَباؤُ بِغَضَبٍ ، يعني استوجبوا الغضب مِنَ اللَّهِ . قال بعضهم : أصله من الرجوع ، يعني رجعوا باللعنة في أثر اللعنة . ويقال : باؤوا أي احتملوا كما يقال : بوّئت بهذا الذنب أي احتملته . ثم قال : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ، أي ما أصابهم من الذلة والمسكنة - وهم اليهود - بأنهم كانوا يكفرون بآيات اللّه ، يعني كذّبوا عيسى وزكريا ويحيى ومحمدا - عليهم وعلى جميع الأنبياء أفضل الصلاة والسلام - وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، أي بغير جرم منهم ، وهم زكريا ويحيى . قرأ نافع النَّبِيِّينَ بالهمزة وكذلك جميع ما في القرآن إلا في سورة الأحزاب : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ، وقرأ الباقون : بغير همز . وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أن رجلا قال له : يا نبيء اللّه ، فقال : « لست بنبيء اللّه ولكن نبي اللّه » . ( والنبيين ) جماعة النبي . وأما من قرأ بالهمز ، قال أصله من النبأ وهو الخبر لأنه أنبأ عن اللّه تعالى ، وأما من قرأ بغير همز فأصله مهموز ، ولكن قريشا لا تهمز . وقال بعضهم : هو مأخوذ من النبأة وهو الارتفاع ، لأنه شرف على جميع خلقه . وقال بعضهم : النبيء هو الطريق الواضح ، سمي بذلك لأنه طريق الخلق إلى اللّه تعالى . قوله : ذلِكَ بِما عَصَوْا ، أي ذلك الغضب على اليهود بما عصوا أي بسبب عصيانهم أمر اللّه تعالى ، فخذلهم اللّه تعالى حين كفروا ، فلو أنهم لم يعصوا اللّه تعالى كانوا معصومين من ذلك . وَكانُوا يَعْتَدُونَ يعني بقتلهم الأنبياء وركوبهم المعاصي . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 62 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 )