أبو الليث السمرقندي

561

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

عليهم ، فإذا هم قردة تتعادى ولها أذناب قد غيّر اللّه تعالى صورهم بصنيعهم . فصاح إلى القوم فإذا هم قد صاروا قردة ، فكسروا الباب ، ودخلوا منازلهم ، فجعلوا لا يعرفون أنسابهم ، ويقولون لهم : ألم ننهكم عن معصية اللّه تعالى ونوصيكم ؟ فيشيرون برءوسهم بلى ودموعهم تسيل على خدودهم . فأخبر اللّه تعالى أنه أنجى الذين ينهون عن السوء ، وأخذ الذين ظلموا . قوله : أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ . ولا يدرى ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يأخذوا . وقال عكرمة : بل أهلكهم اللّه لأنه أنجى الذين ينهون عن السوء . وأهلك الفريقين الآخرين . فوهب له ابن عباس بردة بهذا الكلام . وروي في رواية أخرى أنهم كانوا يأخذون الحظائر والحياض بجنب البحر ، ويسيلون الماء فيها يوم السبت من البحر حتى يدخل فيها السمك ، ويأخذونه في يوم الأحد فقالوا : إنا نأخذه في يوم الأحد . فلما لم يعذبوا استحلوا الأخذ في يوم السبت من البحر وقالوا : إنما حرم اللّه على أبنائنا ولم يحرم علينا فنهاهم الصلحاء فلم يمتنعوا ، فضربوا حائطا بينهم ، وصارت الواعظة في ناحية ، والذين استحلوا في ناحية والحائط بين الفريقين . فأصبحوا في يوم من الأيام ولم يفتح الباب الذي بينهما ، فارتقى واحد منهم الحائط ، فإذا القوم قد مسخوا إلى قردة . وقال بعضهم : كان القوم أربعة أصناف صنف يأخذون ، وصنف يرضون ، وصنف ينهون ، وصنف يسكتون ، فنجا صنفان ، وهلك صنفان . قال بعضهم : كانوا صنفين صنف يأخذون ، وصنف ينهون . وروى قتادة عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - أنه قال : كانوا ثلاث فرق فهلك الثاني ، ونجا الثالث ، واللّه أعلم ما فعل بالفرقة الثالثة . قرأ نافع بعذاب بيس بكسر الباء وسكون الياء بلا همز . وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بعذاب بيأس بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة . وقرأ الباقون : بِعَذابٍ بَئِيسٍ بنصب الباء وكسر الياء والهمزة وسكون الياء وهي اللغة المعروفة ، والأولى لغة لبعض العرب . ثم قال : فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ يعني : تركوا ما وعظوا به قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ يعني : صاغرين مبعدين عن رحمة اللّه . قوله تعالى : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ يعني : أعلم ربك ويقال : قال ربكم وكل شيء في القرآن تأذن فهو إعلام . ومعناه قال : لَيَبْعَثَنَّ أي ليسلطن عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي على بني إسرائيل ، والذين لا يؤمنون بمحمد صلى اللّه عليه وسلم مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ يعني : يعذبهم بالجزية والقتل إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ إذا عاقب من أصرّ على كفره وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ لمن تاب من الشرك رَحِيمٌ بعد ذلك . ثم قال : وَقَطَّعْناهُمْ أي فرقناهم فِي الْأَرْضِ أُمَماً أي فرقا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ أي