أبو الليث السمرقندي
540
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ يعني : اطرح عصاك إلى الأرض فألقى عصاه من يده فصارت حية أعظم من جميع حياتهم فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ يعني : تلتقم وتأكل جميع ما جاءوا به من الكذب والسحر . قرأ عاصم في رواية حفص تلقف بجزم اللام والتخفيف . وقرأ الباقون بنصب اللام وتشديد القاف ، ومعناهما واحد . ثم إن الحية قصدت إلى فرعون ، فنادى موسى فأخذها ، فإذا هي عصا على حالها فنظرت السحرة فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت فَوَقَعَ الْحَقُّ أي استبان الحق وظهر أنه ليس بسحر وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من السحر أي : ذهب وهلك واضمحل فَغُلِبُوا هُنالِكَ أي وغلب موسى السحرة عند ذلك وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ يعني : رجعوا ذليلين . قالوا : لو كان هذا سحرا فأين صارت حبالنا وعصينا . ولو كانت سحرا لبقيت حبالنا وعصينا وهذا من اللّه تعالى وليس بسحر . فآمنوا بموسى . قوله تعالى : وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ يعني : خروا ساجدين للّه تعالى . قال الأخفش : من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا . ويقال : وفّقهم اللّه تعالى للسجود قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ فقال لهم فرعون : إياي تعنون . فأراد أن يلبس على قومه فقالوا : رَبِّ مُوسى وَهارُونَ فقدم فرعون لما سألهم ، لأن بعض الناس كانوا يظنون عند مقالتهم رب العالمين أنهم أرادوا به فرعون . فلما سألهم فرعون وقالوا : برب موسى وهارون ، ظهر عند جميع الناس أنهم لم يريدوا به فرعون ، وإنما أرادوا به الإيمان بموسى وبرب العالمين . قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ يعني : صدقتم بموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ يعني : قبل أن آمركم بالإيمان بموسى . قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر آمنتم . وقرأ الباقون بغير مد بهمزتين ومعناهما واحد ويكون استفهاما . إلا عاصم في رواية حفص قرأ آمنتم بهمزة واحدة بغير مد على وجه الخبر . إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ يعني : صنعا صنعتموه فيما بينكم وبين موسى في المدينة لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها يعني : إنكم أردتم أن تخرجوا الناس من مصر بسحركم . ثم قال لهم : فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني : تعلمون ماذا أفعل بكم لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ يعني : اليد اليمنى والرجل اليسرى ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ على شاطئ نهر مصر قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ أي : لا نبالي من عقوبتك وفعلك فإن مرجعنا إلى اللّه تعالى يوم القيامة .