أبو الليث السمرقندي

53

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

الحلال والحرام . ويقال : الفرقان هو النصرة بدليل قوله تعالى : يَوْمَ الْفُرْقانِ [ الأنفال : 41 ] أي يوم النصرة . ويقال : الفرقان هو المخرج من الشبهات . ويقال : هو انفلاق البحر بدليل قوله : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ [ البقرة : 50 ] . وقال الفراء : في الآية مضمر ، ومعناه : وآتينا موسى الكتاب يعني التوراة ، وأعطينا محمدا الفرقان ، فكأنه خاطبهم فقال : قد أعطيناكم علم موسى وعلم محمد صلى اللّه عليه وسلم وعلم سائر الأنبياء . قوله : لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ، أي لكي تهتدوا من الضلالة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 54 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 54 ) قوله تعالى : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ ، وأصله يا قومي بالياء ولكن حذف الياء وترك الكسر بدلا عن الياء ، وتكون في الإضافة إلى نفسه معنى الشفقة . يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ، يعني أضررتم بأنفسكم بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ ، يعني إلى خالقكم يقول : فارجعوا عن عبادة العجل إلى عبادة خالقكم ، وتوبوا إليه فقالوا له : وكيف التوبة ؟ قال لهم موسى : فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ، يعني يقتل بعضكم بعضا ، يقتل من لم يعبد العجل الّذين عبدوا العجل ؛ وإنما ذكر قتل الأنفس وأراد به الإخوان . وهذا كما قال في آية أخرى وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [ الحجرات : 11 ] أي لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين ، يعني لا تغتابوا إخوانكم . ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ ، يعني التوبة خير لكم عند خالقكم ، ومعناه قتل إخوانكم مع رضا اللّه خير لكم عند اللّه تعالى من ترككم إلى عذاب اللّه . قوله تعالى : فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ، أي المتجاوز عن الذنوب الرحيم ، حيث جعل القتل كفارة لذنوبكم . وروي في الخبر أن الّذين عبدوا العجل جلسوا على أبواب دورهم ، وأتاهم هارون والّذين لم يعبدوا العجل شاهرين سيوفهم ، فكان موسى - عليه السلام - يتقدم ويقول : إن هؤلاء إخوانكم قد أتوا شاهرين سيوفهم ، فاتقوا اللّه واصبروا له ، فلعن اللّه رجلا قام من مجلسه أو حلّ حبوته ، أو مدّ بطرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو برجل . فيقولون : آمين ، وذكر في رواية أبي صالح : أن هارون كان يتقدم ويقول ذلك ، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء فكانت القتلى سبعين ألفا ، فكان موسى - عليه السلام - يدعو ربه لما شق من كثرة الدماء ، حتى نزلت التوبة . فقيل لموسى : ارفع السيف عنهم ، فإني قبلت توبتهم جميعا ، من قتل ومن لم يقتل . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 55 إلى 56 ] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 ) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 56 )