أبو الليث السمرقندي

504

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ أي وزن الأعمال يومئذ بالعدل فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ أي رجحت حسناته على سيئاته فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الناجون . وتكلموا في وزن الأعمال . قال بعضهم : توزن الصحائف التي كتبها الحفظة في الدنيا . وقال بعضهم : يجعل للأعمال صورة وتوضع في الميزان . وقال بعضهم : هذا على وجه المثل وهو كناية عن التعديل ، وهو قول المعتزلة . وقال بعضهم : قد ذكر اللّه تعالى الوزن فنؤمن به ولا نعرف كيفيته . وروى بلال الحبشي عن حذيفة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنّ جبريل صاحب الميزان يوم القيامة يقول له ربّه زن بينهم فردّ بعضهم على بعض ، ولا درهم يومئذ ، ولا فضّة ، ولا دينار ، فيردّ الظّالم على المظلوم ما وجد له من حسنة . فإن لم توجد له حسنة أخذ من سيّئات المظلوم فتردّ على الظّالم فيرجع الظّالم وعليه سيّئات مثل الجبل » . وروي عن ابن عباس أنه قال : توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان . فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة ، وتثقل حسناته على سيئاته . وأما الكافر فيؤتى بعمله في أقبح صورة ، وتثقل سيئاته على حسناته . وقال بعضهم : لا يوزن عمل الكافر ، وإنما توزن الأعمال التي بإزائها الحسنات . ثم قال تعالى : وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ أي رجحت سيئاته على حسناته فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي غبنوا حظ أنفسهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ بما كانوا بآياتنا يجحدون ، بأنه ليس من اللّه تعالى . وقد ذكر الموازين بلفظ الجمع . قال بعضهم : لأن المراد بها جميع الموزون . وقال بعضهم : أراد به الميزان لأن الميزان يشتمل على الكفتين والشاهين والخيوط . وقد ذكر باسم الجماعة . قال تعالى : وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ أي مكناكم في الأرض وعمرناكم ، فذكر لهم التهديد ، ثم ذكر لهم النعم ليستحيوا من ربهم ولا يعصوه وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ يعني : الرزق وهو ما يخرج من الأرض من الكروم والثمار والحبوب . وروى خارجة عن نافع أنه قرأ معائش بالهمز لأنه على ميزان فعائل مثل الكبائر والصغائر . وقرأ الباقون بغير همز ، لأنّ الياء أصلية وكان على ميزان مفاعل . ثم قال : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ يعني : إنكم لا تشكرون هذه النعمة . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 11 إلى 18 ] وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 11 ) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 12 ) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 13 ) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 14 ) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 15 ) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ( 17 ) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ( 18 )