أبو الليث السمرقندي
484
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا يعني : ولكل واحد من المؤمنين فضائل في الجنة بعضهم أرفع درجة من بعض ، وللكافرين درجات بعضهم أشد عذابا من بعض . وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ يعني : لمن ينسى الطاعة من المطيعين ، ولا المعصية من العاصين ، ويجازي كل نفس بما عملت . قرأ ابن عامر عما تعملون على معنى المخاطبة . وقرأ الباقون : يَعْمَلُونَ بالياء على معنى المغايبة . قوله تعالى : وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ يعني : غني عن عبادة خلقه ، ذُو الرَّحْمَةِ بتأخير العذاب عنهم ويقال : ذُو الرَّحْمَةِ يعني : ذو التجاوز عمن تاب ورجع إليه بالتوبة إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يعني : يهلككم وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ خلقا بعدكم من بعد إهلاككم ما يَشاءُ إن يشأ مثلكم ، وإن يشأ أطوع منكم . كَما أَنْشَأَكُمْ يقول : كما خلقكم مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ قرنا من بعد قرن ولكنه لم يهلككم رحمة منه ، لترجعوا وتتوبوا . ثم قال : إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ يعني : الوعيد الذي أوعد في الآخرة من العذاب لآت ، يقول : لكائن لا خلف فيه وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ يعني : بسابقين اللّه بأعمالكم الخبيثة التي يجازيكم بها . هذا قول مقاتل . وقال الكلبي : بِمُعْجِزِينَ أي : بفائتين أن يدرككم . ويقال في اللغة : أعجزني الشيء أي : فاتني وسبقني . ثم قال : قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي : على موضعكم . يقال : مكان ومكانة مثل منزل ومنزلة . ومعناه اعملوا على ما أنتم عليه . ويقال : معناه اجتهدوا في إهلاكي ما استطعتم ويقال : اعملوا في منازلكم من الخير والشر فإنكم تجزون بهما لا محالة . إِنِّي عامِلٌ بما أوحى اللّه إلي ويقال : اعملوا بمكاني وأنا عامل بمكانكم . فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ فهذا وعيد من اللّه تعالى . يقول : نبيّن لكم من تكون له عاقبة الأمر في الدنيا ، ومن تكون له الجنة في الآخرة . ثم قال : إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ مخاطبا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي : في الآخرة ، ولا يأمن المشركون . قرأ عاصم في رواية أبي بكر اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ في جميع القرآن بلفظ