أبو الليث السمرقندي
472
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ يعني : وضعوا للّه شركاء . وقال مقاتل : وذلك أن بني جهينة قالوا : إن صنفا من الملائكة يقال لهم الجن بنات الرحمن وذلك قوله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ . وقال الكلبي : وجعلوا الجن شركاء للّه نزلت هذه الآية في الزنادقة ، قالوا : إن اللّه تعالى وإبليس - لعنه اللّه ولعنهم - أخوان . قالوا : إن اللّه تعالى خالق الناس والدواب ، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب كقوله : وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [ الصافات : 158 ] قال الزجاج : معناه أطاعوا الجن فيما سوّلت لهم من شركهم ، فجعلوهم شركاء اللّه وهذا قريب مما قاله الكلبي . ثم قال : وَخَلَقَهُمْ يعني : جعلوا للّه الذي خلقهم شركاء ، ويقال : وخلقهم يعني خلق الجن ، ويقال : وخلقهم يعني : الذين تكلموا به وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ يعني : وصفوا له بنين وبنات . بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني : بلا علم يعلمونه ، ويقال بلا حجة وبيان . وروى عبد اللّه بن موسى عن جويرية قال : سمعت رجلا سأل الحسن عن قوله : وَخَرَقُوا لَهُ قال : كلمة عربية كانت العرب تقولها ، كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول بعض القوم : خرقها . ثم نزّه نفسه فقال : سُبْحانَهُ يعني : تنزيها له . وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ يعني : هو أعلى وأجل مما يصف الكفار بأن له ولدا . قرأ نافع وَخَرَقُوا بالتشديد على معنى المبالغة . قوله تعالى : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني : خالق السماوات والأرض يعني مبدعهما ، وهو أن يبتدئ شيئا لم يكن يعني ابتدعهما ولم يكونا شيئا . أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ قال القتبي : أَنَّى على وجهين يكون بمعنى كيف كقوله فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [ البقرة : 223 ] وكقوله : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها [ البقرة : 259 ] ، ويكون بمعنى من أين كقوله : قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * [ التوبة : 38 ] وكقوله : أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ يعني : زوجة . وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ يعني : الملائكة وعيسى وغيرهم وهم خلقه وعبيده . وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ مما خلق . ثم قال : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني : الذي فعل هذا فهو ربكم لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني : لا خالق غيره . خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ يعني : وحّدوه وأطيعوه . وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ يعني : كفيل بأرزاقهم ، ويقال وكيل يعني : حفيظ . ثم عظّم نفسه فقال : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ قال مقاتل : يعني لا يراه الخلق في الدنيا . وروى الشعبي عن مسروق قال قلت لعائشة هل رأى محمد صلى اللّه عليه وسلم ربه ؟ فقالت : لقد اقشعرّ قلبي مما قلت أين أنت من ثلاثة من حدثك بهن فقد كذّب : من حدثك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم رأى ربه فقد كذب ثم قرأت لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ومن حدثك أنه قد علم ما في غد فقد كذب ، ثم قرأت : وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً [ سورة لقمان : 34 ] ومن حدثك أنه كتم شيئا من الوحي فقد كذب . ثم قرأت يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [ المائدة : 67 ] .