أبو الليث السمرقندي

455

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ يعني : القادر الغالب عليهم وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً والحفظة جمع الحافظ ، مثل الكتبة والكاتب . يعني به : الملائكة موكلين ببني آدم ، ملكين بالليل ، وملكين بالنهار ، ويكتب أحدهما الخير ، والآخر الشر . فإذا مشى يكون أحدهما بين يديه ، والآخر خلفه ، فإذا جلس يكون أحدهما عن يمينه ، والآخر عن شماله . كقوله : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 17 - 18 ] ويقال : لكل إنسان خمسة من الملائكة : اثنان بالليل ، واثنان بالنهار ، والخامس لا يفارقه لا ليلا ولا نهارا . وقوله تعالى : حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ يعني : حضر أحدكم الوفاة عند انقضاء أجله تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا يعني : ملك الموت وأعوانه وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ يعني : لا يؤخرون طرفة عين . قرأ حمزة توفاه بلفظ التذكير بالإمالة . وقرأ الباقون : تَوَفَّتْهُ بلفظ التأنيث . لأن فعل الجماعة إذا تقدم على الاسم جاز أن يذكر ويؤنث . ويقال : معه سبعون من ملائكة الرحمة وسبعون من ملائكة العذاب ، فإذا قبض نفسا مؤمنة دفعها إلى ملائكة الرحمة فيبشرونها بالثواب ، ويصعدون بها إلى السماء . وإذا قبض نفسا كافرة دفعها إلى ملائكة العذاب ، فيبشرونها بالعذاب ، ويفزعونها ، ثم يصعدون بها إلى السماء ، ثم ترد إلى سجّين ، وروح المؤمن إلى عليين ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ يعني : يرد أمورهم إلى اللّه تعالى أَلا لَهُ الْحُكْمُ ألا : كلمة التنبيه ومعناه : اعلموا أن الحكم للّه تعالى في خلقه ما يشاء ، ويقضي بينهم يوم القيامة وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ يعني : إذا حاسب فحسابه سريع . ويقال : وهو أحكم الحاكمين وأعدل القاضين . وقوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 63 إلى 65 ] قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 63 ) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ( 64 ) قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ( 65 ) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني : من أهواله وشدائده ، والظلمات كناية عن الأهوال والشدائد تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وقال الكلبي : سرا وعلانية . وقال مقاتل : يعني . في خفض وسكون . قرأ عاصم في رواية أبي بكر خُفْيَةً بكسر الخاء ، والباقون بالضم . وهما لغتان وكلاهما واحد لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ يعني : من غمّ هذه الأهوال والشدائد