أبو الليث السمرقندي

442

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال : فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ إلى الدنيا ولم يذكر في الآية الجواب ، لأن في الكلام ما دل عليه فكأنه يقول : ولو ترى يا محمد كفار قريش حين وقفوا على النار ، لعجبت من ذلك فقالوا : يا لَيْتَنا نُرَدُّ إلى الدنيا . وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قرأ حمزة وابن عامر وعاصم في رواية حفص : وَلا نُكَذِّبَ بالنصب وَنَكُونَ بالنصب وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم في رواية أبي بكر : وَلا نُكَذِّبَ وَنَكُونَ كلاهما بالضم على معنى الخبر . ومن قرأ بالنصب فلأنه جواب التمني . وجواب التمني إذا كان بالواو والفاء يكون بالنصب . كقولك : ليتك تصير إلينا ونكرمك . وقرأ بعضهم : وَلا نُكَذِّبَ بالضم و نَكُونَ بالنصب في رواية هشام بن عمار عن ابن عامر . وقرأ عبد اللّه بن مسعود : فلا نكذب بالفاء . قوله تعالى : بَلْ بَدا لَهُمْ يعني : ظهر لهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ بألسنتهم . لأن الجوارح تشهد عليهم بالشرك ، فحينئذ يتمنون الرجعة وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ يعني : رجعوا إلى كفرهم وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم : وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا لأنهم قد علموا في الدنيا وعاينوه . وقد عاين إبليس وشاهد ومع ذلك كفر وكذلك هاهنا لو رجعوا لكفروا كما كفروا من قبل ، لأنك ترى في الدنيا إنسانا أصابه مرض أو حبس في السجن ، أخلص بالتوبة للّه تعالى أن لا يرجع إلى الفسق ، فإذا برأ من مرضه أو أطلق من الحبس رجع إلى الحال الأول . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 29 إلى 31 ] وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 29 ) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 30 ) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( 31 ) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا يعني : ما هي إلا آجالنا تنقضي في الدنيا ، فيموت الآباء ، ويجيء الأبناء وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد الموت . فيبيّن اللّه تعالى حالهم يومئذ فقال : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا يعني : عرضوا وسيقوا وحبسوا عَلى رَبِّهِمْ يعني : عند ربهم وعند عذاب ربهم قالَ أَ لَيْسَ هذا يعني : العذاب والبعث بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا أقروا في وقت لا ينفعهم الإقرار قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ به وتجحدونه .