أبو الليث السمرقندي

440

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني : ممن اختلق على اللّه كذبا باتخاذ الآلهة وقوله الشرك أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني : بالقرآن أنه ليس من عند اللّه إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ يعني : أنه لا يأمن الكافرون من عذابه . قال في اللغة : إِنَّهُ : مرة تكون للإشارة مثل قوله : إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * [ يوسف : 98 ] ومرة تكون للعماد مثل قوله تعالى : إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ * [ المؤمنون : 117 ] إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وقوله تعالى : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يوم القيامة ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ يعني : أين آلهتكم التي تزعمون . يعني : تعبدون من دون اللّه ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ وأصل الفتنة في اللغة : هو الاختبار . ويقال : فتنت الذهب في النار إذا أدخلته لتعلم جودته وإنما سمي جوابهم فتنة لأنهم حين سئلوا ، اختبروا بما عندهم بالسؤال فلم يكن الجواب من ذلك الاختبار فتنة إلا هذا القول . ويقال : ثم لم تكن معذرتهم وجوابهم إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ . قال مجاهد : إن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن اللّه لا يغفر ذنوبهم يقول بعضهم لبعض : يا ويلكم جئتم بما لا يغفر اللّه لكم . هلموا الآن فلنكذب على أنفسنا ، ونحلف على ذلك ، فحلفوا . فحينئذ ختم على أفواههم ، فتشهد أيديهم وأرجلهم عليهم . قرأ ابن عامر وابن كثير وعاصم في رواية حفص : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ بالتاء لأن الفتنة مؤنث فِتْنَتُهُمْ بضم التاء ، لأنه اسم تكن . وقرأ حمزة والكسائي : ثم لم يكن بالياء ، لأن الفتنة وإن كانت مؤنثة إلا أن تأنيثه ليس بحقيقي ، ولأن الفتنة بمعنى : الإفتان فانصرف إلى المعنى فِتْنَتُهُمْ بالنصب ، فجعلاه خبر تكن والاسم ما بعده . وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم في رواية أبي بكر : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ بالتاء والنصب وقرأ حمزة والكسائي : وَاللَّهِ رَبِّنا بنصب الباء . ومعناه : يا ربنا . وقرأ الباقون : وَاللَّهِ رَبِّنا بكسر الباء على معنى النعت . قال اللّه تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أي : كيف صار وبال تكذيبهم على أنفسهم . ويقال : يقول اللّه تعالى للملائكة : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 24 إلى 26 ] انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 25 ) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 26 ) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ يعني : انظر إليهم كيف يكذبون على أنفسهم وَضَلَّ عَنْهُمْ يعني : ذهب عنهم . ويقال : اشتغل عنهم الآلهة بأنفسها ما كانُوا يَفْتَرُونَ على اللّه من الكذب في الدنيا .