أبو الليث السمرقندي

437

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال : كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ فلا يعذبكم في الدنيا . وروى عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنّ للّه مائة رحمة أنزل منها واحدة فقسمها بين الخلائق فبها يتراحمون ، وبها تعطف الوحوش على أولادها ، وادّخر لنفسه تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة » . ويقال : كتب الرحمة حيث أمهلهم ، ولم يهلكهم ليرجعوا ويتوبوا . ثم قال : لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني : ليجمعنكم يوم القيامة . وهذا كما يقال : جمعت هؤلاء إلى هؤلاء أي ضممت بينهم في الجمع لا رَيْبَ فِيهِ يعني : في البعث أنه كائن . ثم نعتهم فقال : الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ قال بعضهم : هذا ابتداء وخبره لا يُؤْمِنُونَ . وقال بعضهم : هذا بدل من قوله : لَيَجْمَعَنَّكُمْ . ثم عظّم نفسه فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 13 إلى 16 ] وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 13 ) قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 14 ) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ( 16 ) وَلَهُ ما سَكَنَ يعني : ما استقر فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من الدواب والطير في البر والبحر . فمنها ما يستقر في الليل وينتشر بالنهار . ومنها ما يستقر بالنهار وينتشر الليل . ثم قال : وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يعني : السميع لمقالتهم ، العليم بعقوبتهم . ثم قال : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا وذلك أن المشركين قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : إنّ آباءك كانوا على مذهبنا ، وإنما تركت مذهبهم للحاجة فارجع إلى مذهب آبائك حتى نغنيك بالمال . فنزلت قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا يعني : أعبد ربا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني : خالق السماوات والأرض . ويقال : مبتدئهما . ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كلّ مولود يولد على الفطرة » أي ، على ابتداء الخلقة . وهو الإقرار باللّه حين أخذ عليهم العهد في أصلاب آباءهم . وإنما صار فاطِرِ كسرا لأنه من صفة اللّه تعالى يعني : أغير اللّه فاطر السماوات والأرض . وقال الزجاج : يجوز الضم على معنى هو فاطر السماوات والأرض . ويجوز النصب على معنى : اذكروا فاطر السماوات ، إلا أن الاختيار الكسر .