أبو الليث السمرقندي
43
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 34 ] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 ) وهو قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ، فأصل السجود في اللغة : هو الميلان والخضوع ، والعرب تقول : سجدت النخلة إذا مالت ، وسجدت الناقة إذا طأطأت رأسها ومالت . وإنما كانت تلك سجدة التحية لا سجدة العبادة ، وكانت السجدة تحية لآدم عليه السلام وطاعة للّه - عز وجل - فَسَجَدُوا كلهم إِلَّا إِبْلِيسَ . يقال : إبليس اسم أعجمي ولذلك لا ينصرف وهو قول أبي عبيدة . وقال غيره : هو من أبلس يبلس إذا يئس من رحمة اللّه ، وكذا قال ابن عباس في رواية أبي صالح : أنه أيئسه من رجسته . وكان اسمه عزازيل ويقال : عزاييل ؛ وإنما لن ينصرف لأنه لا سمي له فلا يستثقل فاشتقّ . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنه - : إنما سمي آدم ، لأنه خلقه من أديم الأرض . وروي عن قطرب أنه قال : هذا الخبر لا يصح لأن العربية لا توافقه . وقال بعض أهل اللغة : مأخوذ من الأدمة ، وهو الذي يكون من لونه سمرة . إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ أي امتنع عن السجود تكبرا : معناه أن كبره منعه من السجود . وقوله : وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أي وصار من الكافرين ، كما قال في آية أخرى فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [ هود : 43 ] ، أي صار من المغرقين . وقال بعضهم : كان من الكافرين ، أي كان في علم اللّه من الكافرين ، يعني أنه يكفر . وبعضهم قال بظاهر الآية كان كافرا في الأصل . وهذا قول أهل الجبر . وقالوا : كل كافر أسلم ظهر أنه كان مسلما في الأصل ، وكل مسلم كفر ظهر أنه كان كافرا في الأصل ، لأنه كان كافرا يوم الميثاق . ألا ترى أن اللّه تعالى قال في قصة بلقيس إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ [ النمل : 43 ] ولم يقل إنها كانت كافرة ، وقال في قصة إبليس وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ . وقال أهل السنة والجماعة : الكافر إذا أسلم كان كافرا إلى وقت إسلامه ، وإنما صار مسلما بإسلامه إلا أنه غفر له ما قد سلف . والمسلم إذا كفر كان مسلما إلى ذلك الوقت ، إلا أنه حبط عمله . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 35 ] وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) قوله تعالى : وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ، روي عن عبد اللّه بن عباس - رضي اللّه عنهما - أنه قال : أمر اللّه تعالى ملائكته أن يحملوا آدم على سرير من ذهب إلى