أبو الليث السمرقندي
425
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ شَهادَةُ : رفع بالابتداء وخبره ( اثنان ) ومعناه : شهادتكم فيما بينكم اثنان مسلمان عدلان إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فأراد أن يشهد على وصيته ، وكان مقيما . ولم يكن مسافرا فليشهد على وصيته اثنين مسلمين حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ يعني : إذا كنتم في السفر ولم تقدروا على مسلمين ، فأشهدوا رجلين من غيركم يعني : من غير أهل دينكم . وروى مغيرة عن إبراهيم قال : إذا كان الرجل في سفر فلم يجد المسلمين يشهدهما على وصيته ، فيشهد غير أهل دينه . فإن اتهما حبسا من بعد الصلاة فيغلظ عليهما في اليمين ؛ وإن شهد رجلان من الورثة أنهما خانا وكذبا صدقا بما قالا ، وأخذ من الآخرين يعني : من الشاهدين ما ادعي عليهما . وروي عن مجاهد أنه قال : إذا مات المؤمن في السفر لا يحضره إلا كافران أشهدهما على ذلك . فإن رضي ورثته مما حلفا عليه من تركته فذلك . ويحلف الشاهدان أنهما لصادقان ، فإن ظهر أنهما خانا ، حلف اثنان من الورثة ، وأبطلا أيمان الشاهدين . وروي عن شريح أنه قال : لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني إلا في السفر ، ولا تجوز في السفر إلا على الوصية ، وهكذا قال إبراهيم النخعي . وبه قال ابن أبي ليلى . واحتجوا بظاهر هذه الآية . وقال علماؤنا : لا يجوز شهادة الذمي على المسلم في الوصية ولا في غيره . وروي عن عكرمة أنه قال : أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ قال : من غير عشيرتكم . وكذلك قال الحسن : أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ يعني : من غير قبيلتكم ، كلهم من أهل العدالة . قال : ألا ترى إلى قوله : تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ وقال زيد بن أسلم : كان ذلك في رجل توفي ، وليس عنده أحد من أهل الإسلام ، وذلك كان في أول الإسلام ، والأرض أرض الحرب ، والناس كفار ، إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه بالمدينة . وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال : أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ قال : هي منسوخة وقال الضحاك : نسخت هذه الآية بقوله تعالى : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [ الطلاق : 2 ] ورفع اليمين عن الشهود ، وأبطل شهادة أهل الذمة إلا بعضهم على بعض . ويقال : لنزول هذه الآية قصة . وذلك أنه ثلاثة نفر خرجوا إلى السفر : تميم الدّاري ، وعدي بن زيد ، وبديل بن ورقاء مولى العاص بن وائل السهمي أبي عمرو بن العاص ، فحضر بديل بن ورقاء الوفاة وكان مسلما ، وأوصى إلى تميم الدّاري وإلى عدي بن زيد وكانا نصرانيين ، وأمرهما أن يسلّما أمتعته إلى أهله ، وكتب أسماء الأمتعة ، وأدرجه في ثيابه . فلما قدما المدينة وسلما المتاع إلى أهله ، فوجد أهله الكتاب وفيه أسماء الأمتعة ، وفيه جام فضة لم يسلماه إليهم . فخاصمهما المطلب بن أبي وداعة وعمرو بن العاص إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فنزلت الآية : إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ بموت بديل بن ورقاء تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ