أبو الليث السمرقندي

409

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

يتوبوا فقال : وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ يعني : إن لم يتوبوا ، ولم يرجعوا عن مقالتهم ، لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ فهذا لام القسم ، فكأنه أقسم بأنه ليصيبهم عَذابٌ أَلِيمٌ يعني : إن أقاموا على كفرهم . ثم دعاهم إلى التوبة فقال : أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ من النصرانية ، وَيَسْتَغْفِرُونَهُ عن مقالتهم الشرك ، فإن فعلوا فإنّ وَاللَّهُ غَفُورٌ للذنوب رَحِيمٌ بقبول التوبة ، ويقال : قوله : أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ لفظه لفظ الاستفهام والمراد به الأمر فكأنه قال : توبوا إلى اللّه ، وكذلك كل ما يشبه هذا في القرآن ، مثل قوله : ( أتصبرون ) يعني : اصبروا . ثم بيّن اللّه تعالى أن المسيح عبده ورسوله ، وبيّن الحجة في ذلك ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 75 إلى 77 ] مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 75 ) قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 76 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 77 ) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ يعني : هو رسول كسائر الرسل ، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وهو من جماعة الرسل ، وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ شبه النبيين ، وذلك حين صدقت جبريل حين قال لها : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ [ مريم : 19 ] والصديق في اللغة هو المبالغ في التصديق . وقال في آية أخرى : وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها [ التحريم : 12 ] ثم قال : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ يعني : المسيح وأمه كانا يأكلان ويشربان . ومن أكل وشرب ، تكون حياته بالحيلة ، والرب : لا يأكل ولا يشرب . ويقال : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ كناية عن قضاء الحاجة . لأن الذي يأكل الطعام . فله قضاء الحاجة . ومن كان هكذا لا يصلح أن يكون ربّا . ثم قال : انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ يعني : العلامات في عيسى ومريم أنهما لو كانا إلهين ما أكلا الطعام ، ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ يقول : من أين يكذبون بإنكارهم بأني واحد . وقال القتبي : أَنَّى يُؤْفَكُونَ يعني : أنى يصرفون عن الحق ويعدلون عنه . يقال : أفك الرجل عن كذا ، إذا عدل عنه . ثم أخبر اللّه تعالى عن جهلهم ، وقلة عقلهم ، فقال : قُلْ يا محمد ، أَ تَعْبُدُونَ مِنْ