أبو الليث السمرقندي

401

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

راكِعُونَ يعني : يتصدقون في حال ركوعهم حيث أشار بخاتمه إلى المسكين حتى نزع من إصبعه ، وهو في ركوعه . ويقال : يراد به جميع المسلمين أنهم يصلون ويؤدون الزكاة . ثم قال : وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني : يجعل اللّه ناصره ويجالس النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ يعني : جند اللّه هُمُ الْغالِبُونَ . قال محمد بن إسحاق : نزلت هذه الآية في « عبادة بن الصامت » ، حين تبرأ من ولاية اليهود يعني : يهود بني فينقاع ، وتولى اللّه ورسوله ، فأخبر اللّه تعالى أن العاقبة لمن يتولى اللّه ورسوله ، فإن اللّه ينصر أولياءه ، ويبطل كيد الكافرين ، فذلك قوله تعالى : فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ يعني : هم الظاهرون على أعدائه والعاقبة لهم وقوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 57 إلى 58 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 57 ) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 58 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً يعني : الذين آمنوا بلسانهم ، ولم يؤمنوا بقلوبهم . ويقال : أراد به المخلصين نهاهم اللّه تعالى عن ولاية الكفار . وروى محمد بن إسحاق بإسناده ، عن عبد اللّه بن عباس قال : كان « رفاعة بن زيد بن تابوت وسويد بن الحارث » قد أظهرا الإسلام ، ونافقا ، وكان رجال من المسلمين يوادونهما ، فأنزل اللّه تعالى لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ الإسلام هُزُواً وَلَعِباً يعني : سخرية وباطلا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ يعني : مشركي العرب . قرأ أبو عمرو والكسائي وَالْكُفَّارَ بالخفض ، وقرأ الباقون بالنصب . فمن قرأ بالخفض فمعناه : من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، ومن الكفار أولياء ، ومن قرأ بالنصب ، فهو معطوف على قوله : لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ . . . ولا تتخذوا الْكُفَّارَ أَوْلِياءَ ثم قال : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني : إن كنتم مؤمنين فلا تتخذوا الكفار أولياء . قوله تعالى : وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ يعني : إذا أذن المؤذن للصلاة ، وإنما أضاف النداء إلى جميع المسلمين ، لأن المؤذن يؤذن لهم ويناديهم ، فأضاف إليهم فقال : وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً يعني : الكفار ، إذا سمعوا الأذان استهزءوا به . وإذا رأوهم ركعا وسجدا ضحكوا واستهزءوا بذلك . ذلِكَ الاستهزاء بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ يعني : لا يعلمون ثوابه . وقال الضحاك : سأل النبي صلى اللّه عليه وسلم جبريل ، وقال : « من أتّخذه مؤذّنا ؟ » . قال : يا محمد عليك بالعبد الأسود ، فإنه مشهود في الملائكة ، وجهير الصوت ، وأحبّ المؤذنين إلى اللّه تعالى . فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلالا ، وعلمه الأذان ،