أبو الليث السمرقندي

399

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

بالدالين . وأما من قرأ يَرْتَدَّ لأنه أدغم الدال الأولى في الثانية ، فأسكن الأولى ، ثم حرّك الثانية إلى النصب لالتقاء الساكنين . قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في شأن أهل الردة الذين ارتدوا على عهد أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ، وذلك أن العرب ارتدوا وقالوا : نشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فأما أن نعطي من أموالنا بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلا . وخرج مسيلمة الكذاب فغلب على اليمامة ، وامتنعوا . فشاور أبو بكر رضي اللّه عنه أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم في قتالهم ، فقال أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم : وكيف نقاتل قوما ، وهم يشهدون أن لا إله إلا اللّه ، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل النّاس ، حتّى يقولوا لا إله إلّا اللّه ، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها ، وحسابهم على اللّه تعالى » ، فقال أبو بكر الصديق : الزكاة من حقها . ثم قال : واللّه لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لقاتلتهم عليه . فاتفقت الصحابة على قول أبي بكر ، وجمعوا العسكر ، وجاءهم من قبل اليمن سبعة آلاف رجل ، واجتمع ثلاثة آلاف من أفناء الناس ، فخرجوا وأميرهم « خالد بن الوليد » ، وقاتلهم ، وخرج مسيلمة الكذاب مع أهل اليمامة ، واجتمع الأعراب معه ، وكان بينهم قتال شديد ، فقتل يومئذ من المسلمين مائة وأربعون رجلا ومنهم « ثابت بن قيس بن شماس » ، « وسالم مولى أبي حذيفة » وغيرهما فكاد المسلمون أن ينهزموا كلهم حتى نصرهم اللّه ، وأظهرهم على أعدائه ، وقتل مسيلمة الكذاب ، وأصحابه ، وتاب أهل الردة ، فذلك قوله تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ يعني : يحبون اللّه أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يعني : رحيمة ليّنة على المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يقول : شديدة غليظة عَلَى الْكافِرِينَ يعني : أهل اليمن . وروى أبو هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا ، وأرق أفئدة ، الإيمان يمان ، والحكمة يمانية » « 1 » . وروي عن علي كرم اللّه وجهه أنه قال : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يعني : الجند من جنود اللّه ، مردا وعونا للخليفة أبي بكر ، يحبهم اللّه كحب الوالد لولده ، أذلة على المؤمنين كالعبد لسيده ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ كالسبع على فريسته . ويقال : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ هو أبو بكر وأصحابه ، وقال الحسن : هو واللّه أبو بكر وأصحابه . وقال الضحاك : هو أبو بكر وأصحابه ، لما ارتدت العرب جاهدهم حتى ردهم إلى الإسلام . وهذا من شمائل أبي بكر ، حيث اتفقت الصحابة على رأيه ، وذكر أنه لما قبض النبي صلى اللّه عليه وسلم ، همّ المنافقون أن يظهروا كفرهم ، وتحير أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم عند ذلك ، حتى جاء عمر

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 64 ) كتاب المغازي ( 75 ) باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن رقم الحديث ( 4390 ) ج 3 صفحة 143 .