أبو الليث السمرقندي
394
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها يعني : فرضنا على بني إسرائيل ، في التوراة أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ إذا كان القتل عمدا ، وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ إذا كان عمدا ، وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ إذا كان عمدا ، وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ إذا كان عمدا ، وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ إذا كان عمدا ، وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ إذا كان عمدا . وروى عكرمة عن ابن عباس : أن بني النضير كان لهم شرف على بني قريظة ، وكانت جراحاتهم على النصف ، فحملهم على الحق ، وجعل دم القرظي والنضيري سواء . فقال كعب بن الأشرف ومالك بن الضيف : لا نرضى بحكمك ، لأنك تريد أن تصغرنا بعداوتك . فنزل وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ، ثم صارت الآية عامة في جميع الناس في وجوب القصاص في النفس ، وفي الجراحات . قرأ عاصم وحمزة ونافع أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ والحروف الست كلها بالنصب . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر كلها بالنصب ، غير الجروح فإنهم يقرءونها بالضم على معنى الابتداء . وقرأ الكسائي كلها بالضم إلا النفس . ثم قال : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ يعني : عفا عن مظلمته في الدنيا ، وترك القصاص ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ قال القتبي : فهو كفارة للجارح وأجر للمجروح . وقال مجاهد : كفارة للجارح ، وأجر للعافي . وقال بعضهم : هو كفارة للعافي ، أي يكفر اللّه تعالى عنه بعفوه بعض ما سلف من ذنوبه . ويقال : كَفَّارَةٌ لَهُ أي للجارح ، يعني : إذا ترك الولي حقه سقط القصاص عن الجارح . وروى محرر ، عن أبي هريرة ، عن رجل من الأنصار قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من أصيب بشيء في جسده فتركه للّه تعالى ، كانت كفّارة له » . وقال الحسن : ينادي مناد يوم القيامة : من كان له على اللّه أجر فليقم ، فلا يقوم إلا من قد عفا . ثم قال : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يعني : يظلمون أنفسهم . والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه . فالذي عرض نفسه للعقوبة ، فقد وضع الشيء في غير موضعه . قوله تعالى : وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يعني : اتبعنا على أثر الرسل عيسى ابن مريم عليه السلام ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يعني : موافقا لما قبله ، مِنَ التَّوْراةِ يقال : إن عيسى يصدق التوراة . ثم قال : وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً من الضلالة ، وَنُورٌ يعني : بيان الأحكام ، وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ ، يعني : الإنجيل موافقا للتوراة في التوحيد ، وفي بعض الشرائع ، وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ الذين يتقون الشرك ، والفواحش . ثم قال : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ قرأ حمزة وَلْيَحْكُمْ بكسر اللام ونصب الميم ، وقرأ الباقون بالجزم ، فمن قرأ بالكسر ، فمعناه : وآتيناه الإنجيل ، لكي يحكم أهل الإنجيل