أبو الليث السمرقندي

391

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ يعني : إن أمركم بالجلد فاقبلوه واعملوا به ، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا يقولون : إن لم يوافقكم على ما تطلبون ، ويأمركم بالرجم فلا تقبلوا منه . قال اللّه تعالى : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ يعني : كفره ، وشركه ، ويقال : فضيحته ، ويقال : اختباره ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يقول : لن تقدر أن تمنعه من عذاب اللّه شيئا . ثم قال : أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ من الكفر ، ولم يرد أن يدخل حلاوة الإيمان في قلوبهم ، وخذلهم مجازاة لكفرهم ، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ يعني : القتل ، والسبي ، والجزية ، وهو قتل بني قريظة ، وإجلاء بني النضير ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ أعظم مما كان في الدنيا . ثم قال تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 42 ] سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 42 ) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي السحت بضم الحاء ، وقرأ الباقون بضمة واحدة ، وهما لغتان السّحت والسّحت ، وهو الاستئصال . يقال : أسحته وسحته ، إذا استأصله ، وكانوا يأكلون الرّشا ، وكان عاقبته الاستئصال ، فسماه به كما قال : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [ النساء : 10 ] « أي : يأكلون ما عاقبته نار » . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كلّ لحم نبت بالسّحت فالنّار أولى به » ، قالوا يا رسول اللّه وما السحت ؟ قال : « الرّشوة في الحكم » . وقال - عليه السلام - : « لعن اللّه الرّاشي والمرتشي » . وروي عن وهب بن منبه ، أنه قيل له : الرشوة حرام في كل شيء ؟ . فقال : لا ، إنما يكره من الرشوة أن ترشو لتعطى ما ليس لك ، أو تدفع حقا قد لزمك . فأما إذا أردت أن ترشو لتدفع عن دينك ، ودمك ، ومالك ، فليس بحرام . قال الفقيه أبو الليث : وبهذا القول نأخذ لا بأس بأن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة ، وهذا كما روي عن عبد اللّه بن مسعود ، أنه كان بالحبشة فرشي بدينارين ، وقال : إنما الإثم على القابض دون الدافع . ثم قال : فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ، يعني : أهل الكتاب إذا خاصموا إليك فأنت بالخيار ، إن شئت فاحكم بينهم وإن شئت فأعرض عنهم ، ولا تحكم بينهم . ثم قال : وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ يعني :