أبو الليث السمرقندي
386
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
فِي الْأَرْضِ فَساداً بالقتل وأخذ المال أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا قال مقاتل : نزلت هذه الآية في سبعة نفر من بني عرينة ، قدموا المدينة فاجتووها . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لو خرجتم إلى إبلنا وأصبتم من ألبانها وأبوالها » ففعلوا ، فصحوا ، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم ، وساروا بالإبل وارتدوا عن الإسلام ، فأرسل النبي صلى اللّه عليه وسلم في آثارهم عليا ، فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرّة حتى ماتوا . وهذا قبل أن تنزل آية الحدود . وروى أسباط عن السدي قال : نزلت في سودان عرينة ، فأراد النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يمثل بهم فنهاه اللّه تعالى عن ذلك ، وأمره أن يقيم فيهم الحد الذي أنزل عليه . وقال سعيد بن جبير إنه مثل بهم ثم نزل بعد ذلك : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ الآية . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : وادع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه ، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن ، ومن أتى المسلمين منهم فهو آمن ، فمر أناس من بني كنانة يريدون الإسلام ، فمروا بأصحاب أبي بردة ولم يكن أبو بردة حاضرا يومئذ ، فخرج أصحابه إليهم فقتلوهم ، وأخذوا أموالهم فنزلت هذه الآية : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية . ثم صارت الآية عامة في جميع الناس . واختلف العلماء في حكمهم وهم قطاع الطريق وهم ثلاثة أصناف : صنف يأخذ المال ولا يقتل ، وصنف يأخذ المال ويقتل ، وصنف يقتل ولا يأخذ المال . قال بعضهم : إذا وجد من إنسان صنف من هذه الأصناف ، فللإمام أن يقيم عليه أي عقوبات شاء ، لأن اللّه تعالى قال : أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا فقد خيّر في عقوبتهم ، وهو قول الحسن وعطاء . وقال بعضهم : لكل صنف عقوبة على حدة ، والاختيار عند أصحابنا رحمهم اللّه أنه إن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ، وإن قتل ولم يأخذ المال قتل ، وإن قتل وأخذ المال قطع وقتل عند أبي حنيفة . وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما اللّه يقتل ولا يقطع . وروي عن سعيد بن جبير أنه قال : إن قتل قتل ، وإن قتل وأخذ المال قطع ثم صلب . وروي عن ابن عباس نحو هذا . ويكون أو بمعنى الواو ، فكأنه قال : إن يقتلوا ويصلبوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ وقال بعضهم : يقتل ثم يصلب على وجه النكال والعبرة ، وقال بعضهم : يصلب حيا ثم يطعن في ليته ، يخضخض حتى يموت . قوله تعالى : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ يعني يطلب حتى لا يجد قرارا في موضع ويقال : يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ يعني يحبس فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها ، فصار كأنه نفي عن الأرض . واحتج هذا القائل بقول بعض أهل السجن في ذلك : خرجنا من الدّنيا ونحن من أهلها * فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السّجّان يوما لحاجة * عجبنا وقلنا جاء هذا من الدّنيا