أبو الليث السمرقندي

379

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ثم قال اللّه تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يقول من يقدر أن يمنع من عذاب اللّه شيئا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعني : لو أراد اللّه أن يهلك عيسى وأمه وجميع الخلق ، ولا يقدر عيسى على ردّ ذلك ، فكيف يكون إلها وهو لا يقدر على دفع الهلاك عن نفسه . ثم قال : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يعني خزائن السماوات والأرض ، وجميع الخلق عبيده وإماؤه وحكمه نافذ فيهم . ثم قال : يَخْلُقُ ما يَشاءُ لأن نصارى أهل نجران كانوا يقولون : لو كان عيسى بشرا كان له أب ، فأخبر اللّه تعالى على أنه قادر على أن يخلق خلقا بغير أب وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من خلق عيسى وغيره . قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 18 إلى 19 ] وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 ) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 19 ) وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ يعني : نحن من اللّه تعالى بمنزلة الأبناء من الآباء في المنزلة والكرامة ، والوالد إذا سخط على ولده في وقت يرضى عنه في وقت آخر . ويقال : معناه نحن أبناء اللّه وأحباؤه . قال اللّه تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم : قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ يعني يحرقكم لأنهم كانوا مقرّين بأنه يحرقهم أربعين يوما أياما معدودة ، قل لهم فهل رأيتم والدا يحرق ولده أو يحرق محبّه ؟ ففي الآية دليل أن اللّه تعالى إذا أحب عبده يغفر ذنوبه ، ولا يعذبه بذنوبه ، لأنه احتج عليهم فقال : فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ إن كنتم أحباء اللّه تعالى ، وقال في آية أخرى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ البقرة : 222 ] ففيه دليل على أنه لا يعذب التوابين بذنوبهم ، ولا المجاهدين الذين يجاهدون لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [ الصف : 4 ] ثم قال : بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يعني أنتم لستم بأبناء اللّه ولا أحبائه ، ولكن أنتم خلق كسائر خلق اللّه تعالى . ثم قال : يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ أي يتجاوز عمن يشاء فيهديه لدينه وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ فيهينه ويتركه على الكفر وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما من الخلق وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يعني إليه المرجع ، فيجزيهم بأعمالهم .