أبو الليث السمرقندي

369

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قم قال : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ يعني كفار العرب أن تعودوا كفارا حين حج النبي صلى اللّه عليه وسلم حجة الوداع وليس معهم مشرك . وقال الضحاك : نزلت هذه الآية حين فتح مكة ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة سبع ، ويقال : سنة ثمان . ودخلها ونادى منادي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ألا من قال لا إله إلا اللّه فهو آمن ، ومن وضع السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن . فانقادت قريش لأمر اللّه ورفعوا أيديهم وأسلموا . قال اللّه تعالى : فَلا تَخْشَوْهُمْ يقول : فلا تخشوا صولة المشركين فأنا معكم وناصركم وَاخْشَوْنِ في ترك أمري . ثم قال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يعني أتممت لكم شرائع دينكم ، وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم حيث كان بمكة لم يكن إلا فريضة الصلاة وحدها ، فلما قدم المدينة أنزل اللّه الحلال والحرام ، فنزلت هذه الآية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يعني دينكم ، حلالكم وحرامكم . وروى حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس ، أنه قرأ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فقال له يهودي : لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا . فقال ابن عباس فإنها نزلت في يوم عيدين يوم الجمعة ، ويوم عرفة . قال الفقيه : حدّثنا الخليل بن أحمد ، قال : حدّثنا ابن صاعد ، قال : حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق أن اليهود قالوا لعمر بن الخطاب : إنكم لتقرءون آية لو نزلت فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . فقال عمر : إني لأعلم حيث نزلت ، وفي أي يوم نزلت ، أنزلت بيوم عرفة ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واقف بعرفة . فإن قيل : في ظاهر هذه الآية دليل أن الدّين يزيد حيث قال الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . قيل له : ليس فيها دليل ، لأنه أخبر أنه أكمل في ذلك اليوم ، وليس فيها دليل أنه لم يكمل قبل ذلك . ألا ترى أنه قال في سياق الآية وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ليس فيه دليل أنه لم يرض قبل ذلك ، ولكن معناه أنه قد أظهر وقرر ، كما جاء في الخبر أن رجلا أعتق ستة أعبد له في مرضه ، فأعتق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اثنين منهم يعني أظهر عتقهما ، وقرر ولم يرد به الابتداء . وقال مجاهد : معناه اليوم أتممت لكم ظهور دينكم وغلبة دينكم ونصرته . وقال قتادة : معناه أخلص لكم دينكم . ثم قال : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي يعني منتي ، فلم يحج معكم مشرك وَرَضِيتُ يعني اخترت لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً وروي في الخبر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم عاش بعد نزول هذه الآية إحدى وثمانين ليلة ، ثم مضى لسبيله صلوات اللّه عليه . وقال الزجاج : الْيَوْمَ صار نصبا للظرف ، ومعناه اليوم أكملت لكم دينكم . وقال معاذ بن جبل : النعمة لا تكون إلا بعد دخول الجنة ، فصار كأنه قال : رضيت لكم الجنة لأنه لا تكون النعمة تماما حتى يضع قدميه فيها . ثم رجع إلى أول الآية فقال : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ وذلك أنه لما بيّن المحرمات علم أن بعض الناس اضطروا إلى أكله ، فأباح لهم أكله عند الضرورة فقال : فَمَنِ اضْطُرَّ يعني :