أبو الليث السمرقندي

365

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهذا نداء المدح ، والنداء في القرآن على سبع مراتب : نداء المدح ، مثل قوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يا أَيُّهَا الرُّسُلُ . ونداء الذم ، مثل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا [ سورة الجمعة : 6 ] . ونداء التنبيه ، مثل قوله يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ * . ونداء الإضافة ، مثل قوله يا عِبادِيَ * ونداء النسبة ، مثل قوله : يا بَنِي آدَمَ * يا بَنِي إِسْرائِيلَ * . ونداء الاسم : مثل قوله يا إِبْراهِيمُ * يا داوُدُ . ونداء التعبير ، مثل قوله : يا أَهْلَ الْكِتابِ * فهاهنا نداء المدح : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وهو من جوامع الكلم ، لأنه قال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا ، ولم يقل بأي شيء صدقوا ، معناه الذين صدقوا بوحدانية اللّه تعالى ، وصدقوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وبالقرآن ، وصدقوا بجميع الرسل ، وبالبعث ، والحساب ، والجنة ، والنار . وقال عبد اللّه بن مسعود : كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه وإن أدب اللّه القرآن ، فإذا سمعت اللّه يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فأرعها سمعك فإنه خير مأمور به أو شر منهي عنه ، ويقال : جميع ما في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نزل بالمدينة ، وكل ما يقال في القرآن يا أَيُّهَا النَّاسُ * نزل أكثره بمكة ، وقد قيل نزل بالمدينة أيضا . ويقال : كل ما في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا * ذكر في مقابله في الإنجيل يا أيها المساكين . ثم قال : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني أتموا الفرائض التي ذكر اللّه تعالى في القرآن ، وعقد على عباده ما أحل لهم وحرم عليهم أن يوفوا بها . وقال مقاتل : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني بالعهود التي بينكم وبين المشركين . ويقال : جميع العقود التي بينه وبين الناس ، والتي بينه وبين اللّه تعالى . وهذا من جوامع الكلم ، لأنه اجتمع فيه ثلاثة أنواع من العقود أحدها : العقود التي عقد اللّه تعالى على عباده من الأوامر والنواهي . والنوع الثاني : العقود التي يعقدها الإنسان بينه وبين اللّه تعالى من النذور والأيمان ، وغير ذلك . والنوع الثالث : العقود التي بينه وبين الناس ، مثل البيوع والإجارات وغير ذلك . فوجب الوفاء بهذه العقود كلها . ثم قال : أُحِلَّتْ لَكُمْ يعني رخصت لكم بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ والأنعام تشتمل على الإبل والبقر والغنم والوحش ، دليله على قوله تعالى وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً [ سورة الأنعام : 142 ] ثم قال : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ وأما البهيمة فهي كل حيّ لا يتميز ، وإنما قيل لها بهيمة لأنها أبهمت من أن تميز . ثم قال : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ يعني : رخصت لكم الأنعام كلها إلا ما حرم عليكم في هذه السورة ، وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك ، وذلك أنهم كانوا يحرمون السائبة والبحيرة ، فأخبر اللّه تعالى أنهما حلالان إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ يعني إلا ما بين في هذه السورة . ثم قال : غَيْرَ مُحِلِّي