أبو الليث السمرقندي
358
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
الفقيه أبو جعفر ، قال : حدّثنا أحمد بن محمد القاضي ، قال : حدّثنا إبراهيم بن حشيش البصري ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث الأعور ، عن أبي ذر الغفاري قال : قلت يا نبي اللّه كم كانت الأنبياء ؟ وكم كان المرسلون فقال صلى اللّه عليه وسلم : « كانت الأنبياء مائة ألف نبيّ وأربعة وعشرين ألف نبيّ ، وكان المرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر » . ثم قال : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً قال بعضهم : معناه أنه قد أوحى إليه ، وإنما سماه كلاما على وجه المجاز كما قال في آية أخرى أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ [ الروم : 35 ] أي يستدلون بذلك ، والعرب تقول : قال الحائط كذا . وقال عامة المفسرين وأهل العلم : إن هذا كلام حقيقة لا كلام مجاز ، لأنه قد أكده بالمصدر حيث قال : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً والمجاز لا يؤكد لأنه لا يقال : قال الحائط قولا ، فلما أكده بالمصدر نفى عنه المجاز ، وقال في موضع آخر : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] وقد أكده بالتكرار ونفى عنه المجاز . وقال في موضع آخر وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [ الشورى : 51 ] يعني الأنبياء الذين لم يكونوا مرسلين ، فأراهم في المنام أو من وراء حجاب بكلام مثل ما كلم اللّه موسى ، أو يرسل رسولا وهو رسالة جبريل إلى المسلمين . ثم قال تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 165 إلى 169 ] رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 165 ) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 166 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً ( 167 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ( 168 ) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 169 ) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي أرسلنا رسلا مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار لِئَلَّا يَكُونَ يقول : لكيلا يكون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ يعني : بعد إرسال الرسل ، كي لا يقولوا يوم القيامة إنك لم ترسل إلينا رسولا . ولو أن اللّه تعالى لم يرسل رسولا كان ذلك عدلا منه إذ أعطى كل واحد من خلقه من العقل ما يعرفه ، ولكن أرسل تفضلا منه ، ولكي يكون زيادة في الحجة عليهم . ثم قال تعالى : وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً . عَزِيزاً بالنقمة لمن يجحده حَكِيماً حكم إرسال الرسل والأنبياء عليهم السلام . قوله تعالى : لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ قال ابن عباس : وذلك أن رؤساء مكة أتوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا سألنا