أبو الليث السمرقندي

325

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

فَتَكُونُونَ أنتم وهم على الكفر سَواءً ومن هذا يقال في المثل : إن من أحرق يوما كدسه يتمنى حرق أكداس الأمم . فكذلك الكفار كانوا يتمنون أن يكون الناس كلهم كفارا ، حتى يحترقوا معهم . قال اللّه تعالى : فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ في الدين والنصرة حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دار الهجرة بالمدينة فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني : أبوا الهجرة فَخُذُوهُمْ يعني : فأسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ يعني : أين وجدتموهم من الأرض وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً في العون . ثم استثنى الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد فقال : إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وهم خزاعة ، وبنو مدلج ، وبنو خزيمة ، وهلال بن عويمر الأسلمي وأصحابه ، صالحهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أن كل من أتاهم من المسلمين فهو آمن ، ومن جاء منهم إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فهو آمن . وفي هذه الآية إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام ، إذا كانت في الموادعة مصلحة للمسلمين . ثم قال تعالى : أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أي ضاقت قلوبهم أَنْ يُقاتِلُوكُمْ من قبل العهد أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ معكم من قبل القرابة . ثم قال تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ ذكر منته على المؤمنين أنه يدفع عنهم البلاء ومنعهم عن قتالهم ، ثم قال تعالى فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ في القتال فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي الصلح ، معناه أنهم لو ثبتوا على صلحهم فلا تقاتلوهم ، فذلك قوله : فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا أي حجة وسلطانا في قتالهم . ثم قال عز وجل : سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ وهم أسد وغطفان ، كانوا إذا أتوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم يقولون : آمنا بك . وإذا رجعوا إلى قومهم قالوا : آمنا بالعقرب والخنفساء . يقول : إنهم لم يريدوا بذلك تصديق النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما أرادوا به الاستهزاء . وقال مجاهد : هم ناس من أهل مكة ، كانوا يأتون النبي صلى اللّه عليه وسلم ويسلمون رياء ، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون بالأوثان ، ويريدون أن يأمنوا هاهنا وهاهنا . فذلك قوله تعالى : كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ يقول : كلما دعوا إلى الشرك أُرْكِسُوا فِيها يقول : عادوا إليه ودخلوا فيه فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ في القتال وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي لم يلقوا إليكم الصلح وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عن قتالكم ، يعني إن لم يكفوا أيديهم فَخُذُوهُمْ يعني أسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ يعني : حيث أدركتموهم ووجدتموهم وَأُولئِكُمْ يعني أهل هذه الصفة جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً يعني : حجة مُبِيناً أي حجة مبينة في القتال . وقوله تعالى :